الطاهر مكي في رحاب «طوق الحمامة» لابن حزم

الطاهر مكي في رحاب «طوق الحمامة» لابن حزم

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان السوري مجد كردية

في هذه المقالات تتناول الشاعرة والكاتبة حنان عبد القادر شخصية الدكتور الطاهر مكي «عميد الأدب الأندلسي»، وتتبع أهم المحطات التي شكلت توجهاته العلمية، وتبرز الطاهر الإنسان القادم من قرية في صعيد مصر إلى رحاب العالمية، وتكشف عن آرائه السباقة في الآداب والثقافة والحضارة، ومواقفه السياسية واهتمامه بحرية المرأة وتعليمها. لتشكل هذه المقالات بمجموعها بحثاً واسعاً حول شخصية هامة من الشخصيات التي أثرت الثقافة العربية خلال القرن العشرين.

وفي هذه المقالة تتوقف الكاتبة عند علاقة الطاهر مكي بكتاب «طوق الحمامة» لابن حزم وجهوده في تسليط الضوء عليه وضبط مخطوطته وتقديمها للمكتبة العربية كما تعرف اليوم.


#الطاهر_مكي : #طوق_الحمامة أروع كتاب درسَ الحب في العصر الوسيط في الشرق والغرب.. في العالمين الإسلامي والمسيحي

يعتبر كتاب ابن حزم “طوق الحمامة” هاما لمن أراد أن يتعرف على قبس من الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية في الأندلس في ذلك الوقت، فهو يصلح مدخلاً لدراسة المجتمع الذي تألف من خليط أجناس وأديان ولغات مختلفة، استطاعت أن تتعايش في سلم وألفة، وتمكنت من إنتاج حياة رغيدة راقية.

وقد وصفه الدكتور الطاهر مكي بأنه أروع كتاب درس الحب في العصر الوسيط في الشرق والغرب في العالمين الإسلامي والمسيحي، وتتبع أطواره وحلل عناصره وجمع بين الفكرة الفلسفية والواقع التاريخي، وواجه أدق قضاياه في وضوح وصراحة.

ويذكر الدكتور عبد الحليم عويس رؤية ابن حزم للحب وتصوره عنه فيقول: قدم ابن حزم للحضارتين الإنسانية والإسلامية نظرية جديدة حول «الحب» من الوجهتين النفسية والاجتماعية.

إن مخطوطة ابن حزم، اتخذت طريقا طويلا حتى وصلت إلينا في نسختها الحالية، وتعاقب على نسخها وتحليلها وتصحيحها العديد من المستشرقين والكتاب الذين كان لهم الفضل الأكبر في وجودها بين أيدينا بثوبها الحالي، ويعد تحقيق الطاهر مكي لكتاب ابن حزم “طوق الحمامة” تأييدا لفكرة الأدب العالمي الدارس للأعمال الخالدة، كما يعد هذا التحقيق هو الأبرز لتلك المخطوطة؛ إذ تناولها من جوانب أغفلها من قبله، موضحا ما أخفقوا فيه ولم ينتبهوا له بدقة.

كيف وصل كتاب «طوق الحمامة» إلينا؟

يروي المستشرقون في جامعة ليدن الهولندية قصة وصول مخطوطة طوق الحمامة إلى مكتبة الجامعة عام 1665، والتي قد تكون نسخة من أصل وحيد نُسِخَ سنة 1138 في سورية، ولذلك تعد هي النسخة الوحيدة الموجودة الآن، يروون ما جاء في دليل مكتبة الجامعة أنه في منتصف القرن السابع عشر، اشترى السفير الهولندي المستشرق “فون وارنر” جملة مخطوطات عربية خلال فترة انتدابه سفيرا في الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية. 

ففي عام 1068هـ (كم ميلادي؟) توفي المؤرخ والجغرافي العثماني الشهير مصطفى بن عبد الله، وكان يملك إحدى أكبر المكتبات الخاصة في تركيا، وفيها آلاف المخطوطات التراثية والكتب القديمة، وتصادف أن يشتري منها سفير هولندا في تركيا في ذلك الوقت قرابة ألف مخطوطة، من بينها مخطوطة طوق الحمامة لابن حزم، ثم أهداها لاحقا إلى مكتبة جامعة ليدن الشهيرة في هولندا. 

“يحدثنا الدكتور الطاهر مكي عن ذلك فيقول: “مع مطلع القرن التاسع عشر، عهدت جامعة ليدن إلى عدد من المستشرقين فهرسة المخطوطات العربية التي تملكها، وكان من نصيب المستشرق الهولندي رينهارت دوزي، المتخصص في الدراسات الأندلسية، أن يكتشف نسخة طوق الحمامة، وأن يُعرف العالَم بها، في أول طبعة تصدر لفهرسِ المخطوطات العربية في الجامعة، وحمل وصفُ المخطوطة رقم 461، من مجموعة وارنر”.

وفي عام 1914 نشر المستشرق الروسي الشاب د.ك. بتروف النص العربي لطوق الحمامة كاملا، وتعد هذه الطبعة أصل الطبعات التي جاءت بعدها، حيث طبع الكتاب من جديد عام 1930 في مكتبة عرفة بدمشق، ثم صدرت الطبعة الثالثة عام 1949 في الجزائر، وفي عام 1950 صدرت الطبعة الرابعة في القاهرة، كما طبع عام 1959 في القاهرة بتحقيق حسن كامل الصيرفي طبعة جيدة، ثم جاءت طبعة دار المعارف المصرية عام 1975، بتحقيق الدكتور الطاهر أحمد مكي، ولعلها أفضل الطبعات.

الطاهر مكي وابن حزم

يقول مكي: “النسخة الوحيدة للكتاب، نسخت في مدينة صفد بفلسطين، ولكنه للأسف اختصر منها، ولم يذكر ماذا اختصر منها، ولا نملك نسخة غيرها، أما النسخ الأخرى مليئة بالأخطاء، والتصويبات التي قمت بها أنا، لم تكن من خلال مراجعة المخطوطات الأخرى، وإنما كانت مراجعة لكتب التاريخ”.

فقد قام الطاهر مكي بضبط الكتاب وتحرير هوامشه واستنطاق آيات الحسن والروعة والإبداع من بين ثناياه الزاخرة بأبلغ المعاني والأوصاف وهو يتحدث عن خصوصية اللحظة التي ولد فيها ابن حزم قائلا: شهد شمس الخلافة وهي تنحدر نحو المغيب ورأي الأندلس تتناثر وتقوم علي أنقاضها دويلات صغيرة تعرف بملوك الطوائف.. وعاصر فوضي هؤلاء الملوك وصغارهم.. ومن المؤكد أن حياته وسط هذه الأحداث شاهدا، ومشاركته فيها مؤثرا جعلت منه قمة في الفكر الإسباني في مطلع القرن الحادي عشر.. فكان سياسيا ورجل دولة وشاعرا وكاتبا ومؤرخا وفيلسوفا وفقيها جدلا”

وعن علاقته بطوق الحمامة وبداية تعرفه إليه يقول:

” كتاب طوق الحمامة من درر الفكر عالميا وحين وصلت إسبانيا في بعثتي، لم أكن أعرف شيئا عنه، وكان ينظر إليه في بلادنا على أنه كتاب يتحدث عن الجنس، في الوقت الذي اعتبر على المستوى العالمي أول كتاب يحلل عاطفة الحب تحليلا علميا، وقد ترجمته منظمة اليونيسكو إلى كل اللغات العالمية الكبرى (آخرها اللغة اليابانية، وهو الآن أكثر الكتب مبيعا في اليابان) وقد وصلنا في مخطوطة وحيدة، نشرها بتروف، المستشرق الروسي عام 1917م فيما أذكر، وبعدها في الثلاثينيات نشر في دمشق، وعندما ذاعت أخباره، قامت بين العلماء المحافظين ضجة كبيرة، وزعموا أنه مدسوس لأن ابن حزم من كبار العلماء، ومحال أن يكتب في الحب، وأن خصومه يريدون تشويه سمعته، ثم ثبت أن الكتاب لابن حزم، وأن الذين ثاروا عليه لم يفهموه، والذين ينكرونه عليه، يريدون أن يحرموا الفكر الإسلامي من إحدى درر العلم.

وتولى كبار المستشرقين في كل اللغات دراسته والتعليق عليه، وتصويب ما في المخطوطة الوحيدة من أخطاء، وأما الطبعات العربية، وقد راج الكتاب، فكانت تنشر على نحو تجاري كيفما اتفق، فجاءت مليئة بالأخطاء المطبعية واللغوية والتاريخية، فعز عليّ هذا الأمر فبذلت جهدي في ضوء المصادر التاريخية الأندلسية، وما كتب المستشرقون في تصويبه، فجاء الكتاب في خير صورة ممكنة، ولما طالت الدراسات والتعليقات، لم أرد أن أثقل بها النص، فأوردتها في كتاب مستقل، وهو “دراسات عن ابن حزم وكتابه طوق الحمامة”. 

“وقد حطم ابن حزم في كتابه هذا كل الحياء المصطنع، وأتى على كل الأسوار العالية التي تعزل الفقه عن الحياة”.

فهو أحد عمالقة الفكر الإنساني، على امتداد تاريخه الطويل، كان ثائراً، مُتمرِّداً، في شبيبته الأدبية، وفي شخصيته العلمية، وحتى آخر رَمَقٍ من حياته… لقد حاول معظم الدارسين على أيامه، وبعدها، أن يرسل به إلى زوايا النسيان، لأنه هاجم الجميع، وبعنف كالعادة: المسلمين، والمسيحيين، واليهود، واستطاع هؤلاء أن يردوا له الصاع صاعين، حين مضى إلى رحاب الله، وبدأ عصر الترجمة في الأندلس المسيحي؛ فلم تعرفه أوروبا في تلك الفترة، ولم يُصبِح في مستوى علماءَ دونه قامةً، فخَفَتَ اسمه، وتلاشت سيرته، وظل ما بقي من مؤلفاته في مخطوطات نادرة تحت الأرض، لا يعرفها إلا عدد قليل للغاية، وظلَّ كذلك إلى أن عرف العلم العربي المطبعة، فأفلتت الدراسات الأندلسية من قبضة التعصب في إسبانيا، واستردت القاهرة قيادتها الثقافية للعالم العربي، فأخذ يعود إلى سيرته الأولى، أيامَ أنْ كان حياً، وبدأت تتقاسمه ألقاب جليلة وكريمة: أحسن شاعر، وأحسن فيلسوف، وأحسن مُتكلم، ويهابه الفقهاء، ويجله رجال الأدب، ويثق به علماءُ البلاغة، ويحترمه المفكرون”.

ويقول الأستاذ زهير ظاظا: “عكف دوزي على دراسة طوق الحمامة، وأفاد منها كتابه (تاريخ مسلمي الأندلس) الذي نشره عام 1861 فأقبل المستشرقون الإسبان على الاحتفاء بطوق الحمامة، فكانت لهم في خدمته وترجمته لمختلف اللغات الأوروبية إسهامات جليلة، عرفها لهم الدكتور الطاهر أحمد مكي في مقدمته الجليلة لكتاب طوق الحمامة والتي جاءت في 375 صفحة وطبعت مستقلة عن (طوق الحمامة)، ومن تلك الأعمال الترجمة الإسبانية لطوق الحمامة التي أنجزها جرسيه جومث، وقدم لها الفيلسوف الإسباني الشهير أورتيجا إي جاسيت، وصدرت الطبعة الأولى منها عام 1952، وقد تتبع جرسيه جومث في مقدمته أثر طوق الحمامة في كتب العشق والعشاق العربية، وأثبت فيها أن ابن الجوزي لم يسمع بالكتاب، وأن ابن القيم استفاد منه معظم مواده من غير أن يسميه، وأن ابن أبي حجلة نقل منه نقولات جمة في (باب: علامات الحب) وأن صاحب نفح الطيب رجع إليه في نسخة تخالف النسخة التي بين أيدينا.”

صراع الغرب والشرق على «الحب العذري»

لكن ابن حزم لم يسلم ولا طوقه من بعض المستشرقين الذين أبوا أن يرجعوا حبه العذري إلى الطبيعة الإسلامية أو الفطرة العربية. فحين وقف رينهارت دوزي على قصة الحب الرقيقة لابن حزم، استكثرها على العرب المسلمين، وقال إن هذا الغزل العف لا تعرفه الأخلاق العربية ولا الديانة الإسلامية، وأنه تحدر إلى ابن حزم من أصوله الإسبانية، وأجداده المسيحيين، فهذا الحب الرومانسي لا يمكن تفسيره إلا في ضوء الوراثة النفسية
“بيد أن كثيراً من المستشرقين من أمثال الراهب (ميجل آسين بلاسيوس)، و(أميليو غرسيه غومس)، و(ليفي بروفنسال) وغيرهم، قد ردوا هذا الزعم وبينوا أصوله الإسلامية والعربية حتى في البيئة الجاهلية”.

ويرى الدكتور الطاهر أحمد مكي الذي نقل هذه الدراسات إلى العربية أن دوزي كان متأثرًا بما كان شائعًا في أوروبا على أيامه من أن السموّ في الحب وليد المسيحية، فطبّق هذا الاتجاه في دراسته عن ابن حزم وكتابه “طوق الحمامة” وحاول أسين بلاثيوس في مهارة وذكاء، أن يرد الغزل العذري، لا الأندلسي منه وحسب، إلى أصول مسيحية.

ولكن نظرية كليهما ينقضها واقع الأندلس. “فهما يعرفان جيدًا أن مسيحية الإسبان عند الفتح كانت رقيقة، وأن علم الناس بها – خارج طبقة رجال الدين- كان مشوشًا، وأن جانبًا لا بأس به من السكان كانوا وثنيين. وإذا كان من المرجح أن ابن حزم ينحدر من أصول إسبانية، فمن المرجح أيضًا أن أجداده لم يكونوا قد اعتنقوا المسيحية عند دخول الإسلام، لأنه من المنطقة الفقيرة في جنوب غرب إسبانيا، وغالبية أهلها عند الفتح كانوا من الوثنيين.

 وعلى أية حال، فإن ما كان يجري في الجانب العربي والإسلامي من الأندلس من مظاهر الحب الحسّي، كان يجري مثله، وأفحش منه، في الجانب الإسباني المسيحي، ولم تجرِ في عروقهم دماء عربية، ولا اتخذ جدودهم الإسلام دينًا”.

ابن حزم.. العقل الإسلامي المنفتح على الحياة

لقد أحب الطاهر مكي ابن حزم وأجلَّه، وآمن بما عرض من فكر وفلسفة خاصة به، مما يدل على تفتح ذهنية مكي، ومعاصرته، وسعيه لرقي المجتمع وتنقيته من شوائب عكرت فكر أفراده مدة قرون حملته من قوقعة إلى أخرى، ومن ضيق إلى أضيق حتى صار يحرم ويحلل كيفما اتفق وفكر المتشددين فيه.

فقد قال مكي عن ابن حزم: «بدأ ابن حزم يقنن المذهب الظاهري، وقد ضمن كتابه المحلى بالآثار كل فقهه، فتعرض فيه للغناء، والمزامير، والعِيدان، والمعازف، والطنابير، وذكر أن بيعها حلال، وهو يذكر أنه ليس وحده في هذا الرأي، وإنما يلتقي معه الإمام أبو حنيفة. ويرى أن الذين حرموا بيع هذه الآلات الموسيقية، احتجُّوا بآثار لا تَصِح، ولا حُجَّةَ لهم فيها؛ فما أوردوه من أحاديث نبوية تحرم الغناء، والموسيقى هي أحاديث ضعيفة، ما يجعلها غير صالحة للاستشهاد، أو بِناءِ حكمٍ شرعيٍّ عليها».

يقول ابن حزمٍ، بعد أن أورد حُجَجَ القائلين بالتحريم: «لا حُجَّةَ لهم في ذلك كله»، وعندما يستشهد هؤلاء الذين يُحَرِّمون الغِناءَ بالآية القرآنية: «ومِن الناَّسِ مَنْ يشتري لهوَ الحديث» ويُفَسِّرون اللهوَ بأنه الغناء، يردُّ عليهم ابن حزمٍ قائلاً: «إن الآية نزلتْ في النَّضر بن الحارث، وهو أكبر عدوٍّ للرسول صلى الله عليه وسلم، وكان يدعو القرشيين، ليقصَّ عليهم قصصاً، يصرفهم عن الرسول والقرآن؛ فهي خاصةٌ بقصصه، ولا صلةَ لها بالغناء. وقد رفض الرسول أن يقبل من النضر الفِديةَ، بعد أسره في موقعة بدر، وأمر به فقُتِل، فلا حجة في الآية للقائلين بالتحريم». 

وقدَّم ابن حزمٍ عرضاً لألوانٍ من المهن التي ساهمت فيها المرأة في المجتمع الأندلسي، فهي تعمل مربية، ومدرسة لأبناء الطبقة العليا، وقد تربى هو نفسه على يد المرأة، فتعلَّم معها القرآن، وأجاد الخط، وتذوَّق الشِّعر، ومنهن كانت الطبيبة، والحجّامة، والمغنية، والمُعلِّمة، والصّناع في المغزل والنسيج.


في المقال القادم تتوقف الكاتبة عند ملامح الفكر الأدبي والسياسي والاجتماعي للطاهر مكي، وبعض مواقفه وآرائه في الشعر والأدب والثقافة. 


المقالات السابقة:

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s