أوليا جلبي وشرعية «غزو مصر» في الخطاب العثماني

أوليا جلبي وشرعية «غزو مصر» في الخطاب العثماني

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: الفنان الإنجليزي جون فردريك لويس

إن نظرة واحدة على كتاب «سياحتنامة مصر» تكشف تركيزه على ثلاثة مجالات أساسية؛ أولها كشف ثروة مصر ومصادرها المالية المتنوعة، وثانيها متابعة تغلب أمراء العسكر على السلطة والاقتصاد، وآخرها ما تعلق بطوبوغرافية المكان، وما احتواه من آثار قديمة وإسلامية حتى عصره الراهن. وفى ضوء تلك المجالات الثلاثة، اقتربت مدونة أوليا جلبي من نمط “الكتابة التقريرية” المدعومة بالإحصائيات والأرقام المستقاة من الدفاتر الديوانية، حيث لا يجعل “للوصف” تلك الأهمية التي يُضفيها على عملية استكشافاته لما تحتويه الدفاتر الرسمية من بيانات ودلالات ذات مغزى. ولا تبدو هذه الملاحظة المنهجية في الكتابة عنده قاصرة على المجلد العاشر الخاص بمصر فحسب، وإنما كانت شائعة في كتاباته الأخرى، ففي دراسة مثلا أُجرِيت على مدينة القدس في ضوء مجلده الثالث، بدت ذات الصورة بملامحها وأدواتها تعج بالرصد الطوبوغرافي للمدينة؛ مصحوباُ بحشد البيانات والأرقام الإحصائية. ومن هنا جرى التركيز في المجلد العاشر – موضوع هذه الدراسة – على رصد مصادر الثراء أكثر من اكتراثه برصد دينامية الحياة الاجتماعية والثقافية في قاهرة مصر المحروسة. 

الاقتصاد في قبضة العسكر

وإزاء حالة الثراء غير العادي، راح يركز نقده في مواضع عديدة من هذا المجلد ضد الفرق العسكرية، معرباً عن استيائه البالغ من ممارساتهم الاحتكارية الفجة، والتي أدت إلى ازدياد قبضتهم على الاقتصاد على حساب دولة المركز، متحاشياً في الوقت نفسه – كما هو متوقع – تحميل سياسة الباب العالي وضعفها مسئولية هذه النتيجة. بيد أن انتقاداته لطبقة العسكر (مملوكية وبدرجة أخف عثمانلية) قادته إلى مراجعة وضعيتهم التاريخية في الولاية وحدود مهامهم الوظيفية، وهنا تحديداً وجد نفسه يلجأ إلى التاريخ؛ للنيل منهم بطريقته.

لكن هذا المنحى في الكتابة جعله يتصدى لطرح الأسئلة الصعبة، وفى مقدمتها سؤالين؛ الأول حول مدى شرعية غزو العثمانيين لمصر وانتزاعها من قبضة العسكر المماليك؟ والثاني حول دلالة ظاهرة تداول الأمم على سدة حكم هذا البلد، وموقع تبعيته للعثمانيين على هذا المسار الطويل من التداول والتبدل؟؛ فكيف عالج أوليا حلبي مثل تلك الأسئلة الشائكة والجرئية في زمانه؟ وغير خاف أن المغزى من طرح هذين التساؤلين، هو الاقتراب أكثر من قراءة أفكاره التي كانت تؤسس أو في أقل الاحتمالات توقعاً تعبر، سواء بطريقة واعية أو غير واعية، عن خطاب عثماني شائع، حدد منظور الدولة / المركز – آنذاك – لولاياتها التابعة ولرعاياها المنضوين تحت مظلة الإمبراطورية العثمانية.   

الخطاب العثماني وشرعية السيطرة

إن لجوء أوليا جلبي إلى التاريخ، وتدخله في إعادة تشكيل سياقاته باستخدام التفسيرات الشعبية، استناداً على ما جمعه من الحكايات المتواترة، ورؤى الأحلام وكرامات الأولياء وكبار الشيوخ، والدفع بكل ذلك إلى الواجهة – قد شكَّل في الحقيقة ركيزة استراتيجية في الكتابة، ليس هدفها اكتشاف أضواء من الماضي، يمكن أن تساعده في فهم ظواهر معينة بطريقة موضوعية، كما أنها لم تستهدف قراءة الواقع نسبياً كما عاينه، وإنما السيطرة على هذا الواقع عبر إعادة انتاجه وتمثله، وفق منظور أجهد نفسه في بنائه وبطريقة مشتتة، عبر 64 فصلاً!؛ كيما يُكسبه مظهر الحقيقة ووقع التأثير. وبهذه المنهجية في الكتابة ذلل أوليا جلبي لنفسه إمكانية التدخل والتحكم بهامش واسع في توظيف مادته الإخبارية بطريقة خدمت – كما سنرى – أهداف الخطاب (العثماني). 

إن القراءة المتفحصة “لسياحتنامة مصر” تظهر بوضوح أن القضية المركزية التي اشتغلت النص دارت تحديداً حول “الولاية الغنية التي تغلب عليها العسكر”، ومن ثم فالنص ينهض على كشف خطورة هذه الظاهرة بالأساس، ولذا فإنه بقدر ما كان يعنيه إظهار تجليات ثراء مصر وخزائنها للباب العالي، بقدر اهتمامه بتوجيه سهامه النقدية للطبقة العسكرية، وبالأخص طبقة المماليك التي أبدى إزائها امتعاضاً شديداً؛ جراء استيلائها على معظم التزامات الأراضي، وتدخلاتها المتكررة التي تسببت في تراجع مخصصات الوزير العثماني نفسه فضلاً عن ضباطه وأعوانه الذين انقلبوا من ممثلي “سلطة فعلية” إلى “سلطة أسمية”. ويحلو لأوليا جلبي – ربما بدرجة من المبالغة أحياناً – وصف ضعف الوزير وبطانته العسكرية عبر تصويرهم بالقابعين وراء أسوار القلعة، يتكففون نفقات معيشتهم، حيث يتحصلون على مرتبات ومخصصات لا تكاد تسد حاجاتهم!.

محاولة تبرير الغزو

شكلت هذه الظاهرة، بالنسبة لأوليا جلبي، التطور الدال على تبدل الأحول تبدلاً دراماتيكياً؛ فهو بوصفه عثمانياً منتمياً للبلاط الامبراطوري، ظل ينكر على العسكر تجاوزهم لحدود دورهم وصلاحيات وظيفيتهم، ما جعله يُعرَّض بهم؛ عبر مراجعة وضعيتهم التاريخية، منذ الوقت الذي تم فيه ضم مصر للإمبراطورية العثمانية واستيعاب المماليك ضمن الطبقة العسكرية. وهو يولي اهتماماً ملفتاً للنظر بدحض قضية ادعاء المماليك بأن مصر كانت في السابق قاعدة لإمبراطورية سلطنتهم المملوكية القديمة التي دامت قرابة قرنين ونصف، وأن العثمانيين هم “الدخلاء الغزاة” الذين حطموا هذه السلطنة وسلبوهم المجد والسلطة. في هذا السياق وجد أوليا جلبي نفسه يُعيد طرح إشكالية الغزو العثماني وتفنيد “القضية المملوكية” والنظرية التي تستند إليها، ما جعل تقرير رحلته يتجاوز وظيفة الوصف في اتجاه يسمح بمناقشة مثل هذه القضايا المهمة. إن استقصاءاته وتصديه لمثل هذه الموضوعات وغيرها، دفعت به لإظهار أكثر أفكاره الانتقادية؛ سواء للمماليك أو حتى للمجتمع المصري نفسه كما سنرى فيما بعد، فضلاً، عن مراجعته النقدية لوضعية مصر وعلاقتها باستانبول، وهو ما أتاح الفرصة لكشف بعض أساسيات الخطاب العثماني الشائع في زمانه. 

وعلى رغم إدراكه صعوبة قبول فكرة غزو دولة إسلامية لدولة إسلامية أخرى؛ إلا أنه شحذ ذهنه للتصدي لمعالجة هذه القضية الشائكة، على نحو يروم إضفاء “الشرعية على الغزو”، وبما يبرر في الوقت عينه حتمية زوال الدولة المملوكية مثل غيرها من القوى التي تداولت على حكم مصر. وتتبوأ هذه المسألة أهمية خاصة في الخطاب العثماني المتعلق بولاية مصر: وهنا يُجانب أوليا جلبي حقيقة سير الوقائع التاريخية لملابسات غزو العثمانيين لمصر، ليستبدل بها قصص ورؤى أحلام منسوجة من الخيال الشعبي (العثماني). بيد أنه يتعين تحليل مغزى هذا الاتجاه في أفكاره؛ لما يعكسه من قناعة صاحب الرحلة بأفكار معينة تختزنها مروياته الشعبية التي آثرها على القرائن التاريخية، حتى يعطى لنفسه المرونة الكافية لتفسير تطورات الأحداث وفقاً لمنظوره واعتقاداته المجسدة في النهاية لمضمون الخطاب. 



صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s