لحم أحمر

لحم أحمر

فردوس عبد الرحمن 

اللوحة: الفنان السعودي عبد الله حماس

لا تكن مهذبًا وبعيدًا.. التصق بالأرض، تنفس رائحتها القديمة ولا تقل: أنا حر، لن أدخل إليها أنا حر. لاتكن حرًا فتموت.

أن تنفصل عن وجودك الأرضي.. هو أول طريق الألم النفسي، جوهر الفراغ الوجودي.. ذلك هو الجرح الذي أشرت إليه من قبل، ولا سبيل لإلتئامه إلا بالالتحام بموجودات الأرض. أعرف أن المثاليين والهائمين المحلقين في سماواتهم.. هم ناس يتألمون باستمرار.. ذلك هو اللحم الأحمر الذي انفصل للتو عن حضن أمه، ومازال لم يرب جلدًا يحميه، لأنه انفصل عن الأرض الثقيلة الخشنة.. تلك الخفة والرهافة التي لا تحتمل الثقل.

من زمان.. وأنا أرقب قتلى من مسافات بعيدة

في البعيد جدا.. تستطيع أن ترى الموتى نقاطا بيضاء 

وفي البعيد.. يبقى جسدك دون ألم أو شبق

في التسعينيات حين وقعت الحوادث الإرهابية في مصر.. كنت أرى القتلى عبر شاشات التليفزيون وأقرأ أسماءهم في الجرائد فلا يهتز لي جفن.. نعم كنت بعيدة جدًا حتى عن جسدي، في نفس الفترة.. كان زوجي الأول يستعد للهروب مني لأنني كنت لا أعطيه جسدي إلا بطلوع الروح، لا أشعر بأي رغبة أو متعة في الالتصاق برجل. كنت أعيش كالأنبياء، بلا جسد ولا رغبات توقعهم في الدنس. لم أكن أعرف أن الرغبة في جسد من تحب هى الرغبة في الحياة.. مثل الطعام تماما، إنه الحب.

بعضنا يظن أن العشق درجة أعمق من الحب، في الحقيقة، العشق أو الغرام، هو رفض الآخر وتغييب له.. أنت تعشق فلانًا.. أنت تنفيه، لا تعترف به، تخفيه عن وجهك، إنك تصنع له صورة من نفسك، من تهاويمك ومخاوفك، أنت تستعمل النموذج العشقي بداخلك والذي أتاك من صورة الأم، من جنيات الأحلام فتلقيها على بنت الجيران، على نجمة سينيمائية لتأخذ الصورة شكلها النهائي، ثم تلقيها بعد ذلك على من تذكرك بها.. تظل تهيم بتلك الصورة وتسافر معها إلى أقاصي الخيال، معين العشق وزاده هو أحلام اليقظة، بذلك لاترى الآخر ـ حقيقة ـ بلحمه ودمه وكامل إنسانيته. إنك تخاف منه، تستوحشه فالآخر غريب، غير مأمون لذلك أنت تلقي عليه تلك الصورة الحميمية التي هي من خلقك فتخفيه عن ناظريك إلى الأبد. يشعر الآخر بذلك النكران، بذلك النفي والتغييب فيمتلئ بالحسّ العدائي تجاهك فيردها إليك ولا يأبه لمشاعرك، لتشعر أنت بالبؤس والضآلة وبأنك منفيُّ خارج العالم كما حدث لي، فتلجأ مسرعًا إلى أحلام يقظتك التي تزيدك جوعًا ورغبة واستسلامًا. 

في فترات المراهقة، تستبد بنا أحلام اليقظة، ونرسم صورًا رائعة لما سنكون عليه، هكذا فعلت، ورسمت صورة لما سيكون عليه الرجل الذي سأتزوجه، وعندما جاء، وضعته في هذه الصور، دونما اعتبار كبير لما هو عليه حقًا.. خطايا التصورات لا تكف عن مطاردتي. ولم يكن من بين هذه التصورات أي شيء عن الجسد، فقط، أفكار خفيفة وطائرة كالأحلام. لهذا كان إذا اقترب مني بجسده أرفضه لأنه يذكرني بأنه آخر من لحم ودم، لم أكن أريد اللحم والدم الذي يذكرني بالأرض ووسخها، يذكرني بجسدي الثقيل.

تلك الصور التي تيبستُ أمامها.. تركتني فارغة وباردة..مالي أنا وحوادث الارهاب في التسعينيات، مالي ومقتل آلاف البشر في البوسنة والهرسك، مالي وطريقة عمل البشاميل. أنا في عالم آخر يخصني وحدي، عالم فوقي وخفيف. هذا هو الانفصال عن الواقع: الانفصال هو الغرق في الذات وعدم القدرة على رؤية الخارج والاتصال به وتلك هى المعضلة.. الغرق والضياع الذي يصل بالانسان إلى حالة الاغتراب والتي يشعر معها أنه لا يعرف هذا العالم ولا يربطه به أية علاقة. 

يقول (رولان بارت) في كتابه (شذرات من خطاب العشق): ” كل الأشياء التي تسليني عادة، الأسطح الرمادية، وضجيج المدينة، تبدو لي كلها جامدة ومنفصلة ومصعوقة ككوكب خاو، وكطبيعة لم يسكنها إنسان “. هكذا: كنت إذا ذهبت في رحلة مع زوجي أشعر بالانقباض، فتلك الطبيعة التي تمتد أمامي مصنوعة من مادة أخرى، غريبة وموحشة. هؤلاء الذين يتحدثون أمامي غرباء وموحشون. يأتينا الخوف دائمًا من الغريب الذي لم نألفه، وأنا لم أألف أحدًا.. فالعالم من مادة وأنا من مادة أخرى.

لذلك حين تركني زوجي وغادر.. لم أجد من يؤنسني، كنت أرى العالم من وراء زجاج، الناس فيه يتكلمون ولا أسمعهم، يمدون أيديهم إليّ ولا أستطيع لمسها، لم يكن الواقع هناك أصلًا، والآن، لاشيء بداخلي أيضًا، ها أنا أسبح في سديم، لاصوت ولاضوء ولا جاذبية تشدني إلى الأرض. 

يطرق أبي الباب عليّ.. فأفتح له وأراه مطليًا بالبني، لا أرى غير عباءته البنية، يتكلم فلا آبه، يحاول لمسي واحتضاني فلا أشعر. مرمية خارج الحياة، منفية في الصورة التي صنعتها بنفسي. يالقسوة الصور ويالموتها!

مت.. مت من الجوع، والبرد، وصرت هذا العاشق الردئ الفاقد لأمه في فترة الرضاعة. ذلك الانفصال الرهيب عن العالم، الخوف من الفطام، الاستسلام للالتصاق الأبدي بالأم. العاشق هو المتشح دائماً بوجه الأم هذا الذي يجعل الإنسان منفصلًا عن العالم وغير قادر على الحب. 

انفصال وعودة:

صحيح أن الإنسان يأتي إلى الوجود منفصلًا.. فعملية الهضم والتمثيل والامتلاء تحتاج وقتًا وجهدًا ووعيًا عميقًا بما يعيشه، ويظل هذا الانفصال يؤلمه ويخيفه، فمن صرخة الميلاد إلى سقطة الموت وهو يروضه ويحايله ويتعارك معه ويتحداه. إنه حالة العزلة التي قُدِّرت على الانسان إلى أن يجد مخرجًا منها بطرق عديدة، سوف نتحدث عنها بعد قليل.

يرى إريك فروم أن خطيئة آدم لم تكن في عصيانه للرب بل في ذلك الشعور بالانفصال عن جسده حين لم يحتمل أن يرى عورته، ولم يقو على رؤية حواء عارية ” فأخذا يقصفان عليهما من ورق الجنة “. حكت لى امرأة.. أنها لا تحتمل أن تقف أمام المرآة عارية ويُستفزُّ زوجها إن رآها بقميص نوم مكشوف وليست مصادفة أن يكون كل من الزوجين منفصل عن نفسه، فالمنفصلون دائماً ما يبحثون عن بعضهم أو بتعبير أدق ينجذبون إلى بعضهم، ثم يكون هذا الاغتراب الذي أسميه التحليق في مكان آخر غير الذي يعيشون فيه، الاغتراب الذي يؤدي إلى بوار الأرض والحياة، يؤدي إلى العقم.

 خرج آدم وحواء من الجنة فزعين، مكروبين. إن هذا يذكرنا بصرخة الجنين لحظة الانفصال عن أمه، وبرعب البشر من التغيير، وبخوف الأفراد حين ينتقلون من حال إلى حال. خرج آدم وحواء من الجنة فزعين، مكروبين لم يستطيعا في تلك اللحظة.. لحظة الانتقال أن يألفا بعضهما أو يأنسا لنفسيهما.

 لكن المشكلة ليست في الانفصال في حد ذاته، فهو مقدَّر وحتمي ولولاه ما عرف الانسان ذاته ككائن مستقل ومتفرد، له حدوده وملامحه، لولاه ما أحس الانسان بقيمة وجوده في الحياة كشخص فاعل، لكن الأزمة في أن يصير ألم الانفصال مجانيًا، أقصد ألمًا غير مفيد لنمو الإنسان وتطوره، ويحدث هذا إذا تمادى المنفصل في انفصاله واستسلم له حدّ الاغتراب، حدّ التيه والضياع والغرق.

في أسطورة عنتر بن شداد.. لم يصبح عنتر بطلًا، إلا بعد انفصاله عن القبيلة، ذلك الانفصال الذي أهله للعودة إلى القبيلة والالتحام بها. كان قد خرج غاضبًا ومتحديًا، يقاوم الغرق في بحر الرمال الناعمة وهو يسير في الصحراء، يرتحل بين القبائل الأخرى ليُعرِّف نفسه من جديد يختَبر قدراته القتالية ليصبح فيما بعد: ذلك البطل العائد إلى قبيلته، بتعريف آخر أثبت هويته، حدوده وقدراته، أدرك كنه ذاته، ولولا عودته هذه.. ماعرفنا شيئًا عن ذلك العبد المظلوم، الضائع في البريّة، عن ذلك العاشق الذي كابد الأهوال من أجل حبيبته، ما أدرك بنفسه هويته، وما اعترفت به القبيلة.

أسطورة البطل المنفصل هذه، والموجودة لدى كثير من الشعوب.. هي النموذج الأمثل لما أحكي عنه: ( الانفصال ثم العودة ).

هكذا المراهق.. حين يدرك أن له ذاتًا، لابد من الانفصال بها حتى يضع لها إطارًا يعرِّفها به ويحدد معالمها، يُيَتِّم نفسه، يقرر أن أباه وأمه قد ماتا، وأن طفلهما أيضًا قد مات، فلم يعد هو هو، يحاول تكسير صورتيهما وصورة طفلهما ويظل في ذلك الصراع المرير، تلك المعركة الوجودية والتي غالبًا ما لا يستوعبها الآباء والأمهات فتطول فترة الحرب، حتى يشعر خلالها المراهق بالعدمية أحيانًا، فهو غير موجود إن لم يكسب ذلك الصراع والذي ينتهي بأحد الاحتمالين: إما أن يغادر إلى مرحلة أكثر نضجًا والتحامًا بنفسه و بالعالم وإما أن يتفكك وتتلاشى معالمه إن كان الصراع فوق طاقته وكان عند وقسوة الآباء أو الأمهات عائقًا لهذا العبور.

إذن.. الانفصال هو الضياع والاغتراب وتلاشي الذات ما لم ينته بعودة تُعيد تعريفها من جديد، هذا ما يسمونه، الهوية المتحولة. أأكون متُّ أيضًا لهذا السبب؟

أصبحت أنا.. أنت!

عندما كنت في فترة المراهقة وأنا أتحسس وجودي في هذا العالم.. أردت أن أختبر قدرتي على الحب، على تقبل الآخر لي واعترافه بي، على اختبار هويتي كأنثى. وقف أبي لي بالمرصاد، لم يتصور أن ابنته الأثيرة والتي تشبهه في كل شئ سوف تنفصل عنه الآن، وتروح تبحث عن حب رجل آخر غيره، عن هوية أخرى لوجودها بدونه، لم يتصور أن أغادر طفولتي التي تعلق بها وحطَّ فيها كل آماله وأحلامه في أن أكون هو. نعم كان أبي يريد أن يرى نفسه مرة أخرى فيَّ، يستنسخها مع تعديل يخص الأمنيات التي يتمناها لي. أنا الآن أشبهه فعلا، فحين نصارع آباءنا بعنف ننطبع بهم. هكذا يقول المعلم الروحي: “كلما اشتدَّ رفضنا لشخص ما واحتدم الصراع كلما استنسخناه مرة أخرى وصرنا هو” وأنت أرغمتني على رفضك يا أبي، على الكفاح المرير الذي خضتُه تجاهك لأنك هددت وجودي بألاَّ أكون أنا. رغبتك في أن أكون أنت.. جعلتني أركلك وقتها بعنف. نعم كنت عنيفة وأوقعتك على الأرض حين هممت بضربي والبصق في وجهي لأنني أنفصل عنك، أبتعد وأذهب إلى عالم آخر وإلى كيان آخر، وأرغمتك على الاعتراف بحبي لزميلي في الجامعة، غصبتك على الموافقة على خطبتي له وحطمت آمالك وأحلامك لحظتها في أن أكون أنت، طال صراعنا فلم اتمكن من خوض رحلتي الخاصة وقتها، فلم أجد هويتي في الوقت المناسب. الآن وقد قطعت رحلتي الطويلة، أعود إليك، أضمك إلى صدري في أيام ضعفك، وأنت تذهب إلى الموت، أمسكت برأسك وقلت لك: هل تعلم أن رأسك كله اندلق في رأسي؟ فأومأت بالموافقة مع أنك كنت ذاهلًا، كنت تحتضر، أردت أن أبلغك وأنت تغادر الحياة أن حلمك تحقق وأصبحتُ أنا أنت.

كان العنف الذي مارسه أبي عليَّ والذي أدى بي إلى ضغط عصبي شديد ورعب في فترة مراهقتي، كان هذا العنف المبالغ فيه سببًا في تناثري وتفكيكي ولم أستطع أن أجمع هذا الشتات من ذاتي إلاَّ في سن متأخرة. لهذا متُّ يا أبي عند وقوعي تحت أول ضغط عصبي وتلاشت معالمي وغادرتني طاقة الحياة فوقفتّ تتفرج عليَّ وتبكي.

جنون وإبداع

سُئِل يونج. عن الفرق بين الجنون والإبداع فقال: الجنون هو الغرق في الذات دون أي قدرة على العودة، أما الإبداع فهو الغوص فيها على أن يخرج المبدع بالنفائس والكنوز، هكذا.. كانت عودة عنتر بن شداد بألف ناقة مهرًا لحبيبته.

نعم.. فالذات العميقة، تلك النفس الخفية أو (الخافية) كما يسميها يونج تزخر بما هو فوق التصور من قوىً خارقة تصل حدّ الإلوهية وتزخر أيضاً بأسفل الشرور وأحقرها حدّ إقامة الشيطان نفسه بداخلها (نظرية البرسونة والظل)

ورحلة الانسان بين هذا الداخل المخفي بكنوزه وزبالاته وبين الخارج المكشوف (الواقع الخارجي) والمبدع فقط هو من يستطيع أن يغوص ويسبح في ذلك الظلام ويستخرج ما يمكث في الأرض ويثريها.

لاأقصد بالمبدع.. الفنان أو العالم أو الفيلسوف، بل أقصد ذلك الإنسان الحي الذي يمشي على الطريق، وينداح فيه، فيصير بعد ذلك عالَمًا بأسره، وطريقًا بأوله وآخره.

تلك هي الرحلة بين الداخل والخارج، مصاحبة الجوع والظمأ، نزيف الجرح، خشونة الأرض، الفزع من التيه في المجهول وصعقة الضوء حين تخرج إلى الحياة.

هكذا يسري بداخلنا العالم فنمتلئ ونتصل ونقهر عزلتنا.

لايمكن أن نرى الخارج (الواقع) دون أن نرى الداخل (فعل البصيرة).. وأنا الآن أرى. لكن ذلك لم يكن سهلا، كان علي أن أخوض تجربتي، أمشي تيهي واغترابي، تماما كما فعل عنتر ليجد ذاته. أحمل آلامي في صمت، وضعت على رأسي إكليل الغار وصعدت الجبل وحدي، لأرى. وقد رأيت. فيا لروعة الحياة ساعة أن رأيت.

اعتقد أن تاريخ الإنسان كله، نوع من الصيرورة في الزمن، رحلات من الانفصال والعود الأبدي كما يذهب نيتشه. بدأ الانسان تاريخه بهذه المعضلة..(الانفصال) وعبر رحلته الطويلة استخدم العديد من الحيل، فابتدع الفنون والأديان والقيم الجماعية كي يتغلب على ألم الانفصال. نراه يرسم أحلامه على جدران الكهوف التي يعيش بداخلها كي يتصل بها (النوم بالطبع هو حالة انفصال)، نراه يلجأ إلى الطقوس الجماعية، حيث الطقس الجمعي.. حالة من النشوة يختفي معها العالم الخارجي ويختفي معه ألم الانفصال، الحياة إذن هى رحلة التغلب على الألم. 

مسكين ذلك الغريب الذي لم يقدر على حمل آلامه. هذا الذي تاه في الأرض ولم يعرف عودا. فالهرب من الانفصال لايجدي، لابد من عودة. المسكرات والمخدرات.. محاولة يائسة للهرب من الانفصال. أحيانا تكون هزة الجماع الجنسي طريقة أخرى للهرب من الانفصال.. لذلك نرى(الدنجوان) وهو أبرز نموذج للشخص المنفصل، يبحث عن تلك اللذة باستمرار ليس حبًا في الآخر ولا في أنس وجوده بل فقط للهرب من عذابات الانفصال. كل هذه طرائق للهرب من الانفصال، ولكنها تفضي إلى شعور متزايد به لأن الاتحاد هنا مؤقت ولا يزيد عن بضع لحظات. كل الذين أحسوا بالخواء الرهيب كانوا قد خافوا من الألم وابتعدوا عنه، وكما ذكرت.. إن عملية الهضم و التمثيل والامتلاء تحتاج وقتًا وجهدًا ووعيًا عميقًا بما يعيشه الانسان، ولأن ذلك الدنجوان ومدمني المسكرات والمخدرات لايبذلون ذلك الجهد، لايصاحبون الجوع والعطش، لايتحضَّنون بحرماناتهم ويسيرون بها ( معنى الكبح الذي إن أهدره الانسان ضاع معه ) لأن هؤلاء يفزعون من تلك الآلام فيلجأون إلى السهل والسريع والعابر فلا يمتلئون أبدًاً..يظلون في خواء دائم ، يظل هذا الثقب الوجودي دون التحام ويظل ما يفعله المرء مجرد مسكن مؤقت لجرح لا يلتئم أبدًا “الوجود المنفصل جرح يئن باستمرار” العشق أداة أخرى من أدوات الانفصال أو الهروب من الألم، حيث الطرق المختلفة للهرب من عذاباته، هي طرق لتدعيمه وتجذيره داخل النفس. الحب من طرف واحد. أو ما يسمى العشق، والعشق ـ كما ذكرت ـ هو كره للآخر وتغييب له. 

الانفصال لايصيب الأفراد فحسب، بل يصيب الجماعات أيضًا. فكرة الامتثال إلى القطيع. هي هروب آخر من عذابات الانفصال لكنه، قد يبدو أكثر مشروعية من تلك المحاولات السابقة، وربما أكثر أمنا، فلكي ترحم نفسك من الآلام.. تمتثل قهرًا لذلك القطيع، لكي تخفي عن نفسك وحدتك وخوفك من العزلة. تضرب بعرض الحائط ذاتك المفردة وقدراتك التي تتمثل الكون، واستطاعتك التفكير والاختيار، وتذهب طواعية إلى هذا القطيع لتختبئ بداخله. هذا الاختباء التام للذات وإخفاء قدراتها ـ بمعنى قمعها ـ يُحدث شللًا في الشخصية، وكلما انغلقت الجماعة (الجيتو) وعملت في الظلام.. زاد عجز أفرادها، ولا أقصد بالعجز هنا.. ضعف الشخصية وعدم القدرة على المبادرة واتخاذ أى موقف وحسب، وإنما الشلل الباطني أيضًا. توقف العقل والروح معا عن الحركة. 

التأمل، ذلك الجدل المستمر بين العقل والروح، بين الداخل والخارج. يتوقف هذا التأمل فيصاب أفراد القطيع بالعماء. فلا رؤية للواقع الخارجي ولا رؤية للانسان أصلًا، سواء من هو خارج تلك الجماعة أو من هو بداخلها. وإذا حاول أحد أفرادها أن يمارس إنسانيته، أي قدراته الانسانية.. يُلفظ فورًا ويصبح من هؤلاء الأعداء الذين في الخارج.

الخارج عدو بطبيعة الحال، لأنه متحرك وقلِق ومكشوف، وهو عكس المناخ الذي ارتضته الجماعة لأفرادها، ومن هنا إذا تحرك أحدهم في اتجاه ذاته المفردة فإنه يهدد حالة الاختباء هذه، يهدد ذلك العماء المريح، والرغبة في الخضوع.

إن حالة الفقر الانساني هذه التي تنشأ عن التنازل عن إنسانيتنا لحساب جماعة ما.. تنتج عنها احتمالات عدة.. إما الخضوع التام لقوة متجبرة تخفي ذلك الشخص وتتعهد بحمايته (المازوخية)، أو التجبر والتغطرس على من هم أضعف منه كتعويض عن حالة العجز المميت التي يشعر بها (السادية)، وإما باستخدام القوى التدميرية لديه والتي تكمن أيضًا فى الشعور بالعجز إزاء العالم الخارجي فتحاول تدميره والخلاص منه وأعتقد أن تلك الحالات جميعها.. السادية، المازوخية، التدميرية.. ممتزجة ببعضها البعض، في الجماعات المغلقة، كتلك التي تقوم بدعاوى الدين أو السياسة أو العرق. هكذا مارست النازية نوعا من السادية على اليهود، ويمارسها اليهود الآن على الفلسطينين، وهكذا يمارس الاستشهاديون والانتحاريون نوعا من المازوخية على أنفسهم. 

بين معلمي الروحي وبيني

يقول المعلم الروحي: 

ـ بسبب انفصال أفراد تلك الجماعات عن الواقع الخارجي واختبائهم منه نظرًا لخوفهم الشديد.. دائمًا ما يتصورون بشكل تعويضي، أنهم فوق البشر، ويسعون طوال الوقت إلى تحقيق أهداف تخدم تلك التصورات الفوقية، حتى إذا ما بدأوا في تحقيق تلك الأهداف. تخرج قوى تدميرية هائلة لتحطيم كل ما أنجزوه.

ـ لماذا يا معلم؟

ـ لأنهم طوال الوقت يغذون ذلك التصور المتضخم عن أنفسهم، تاركين الانسان الذي بداخلهم دون إشباع لحاجاته الأرضية، فيخرج هذا الانسان ـ الذي استخدموه طوال الوقت ـ لتحقيق تلك الأغراض الفوقية، جائعًا ومنهكًا لينتقم لنفسه. 

ـ ألا ترى أن الإخوان المسلمين، أمعنوا في تدمير أنفسهم بعد نجاحهم في الوصول إلى السلطة والتي خاضوا من أجلها ثمانين عامًا من الكفاح المرير؟

ـ طبعا.. هذه دوافع انتحارية. في عام 1942كان هتلر يحيا في أزهى صور القوة والهيمنة هربًا من العجز واللاجدوى، وفي نفس العام كتب إريك فروم كتابه (الخوف من الحرية) ليبين أن هذا الهرب من الحرية هو الهرب من العجز واللاجدوى، وليبين أيضًا كيف أن الطبقة الوسطى والدنيا في ألمانيا، هربت من عجزها إلى هتلر، تمامًا كما تهرب الفريسة إلى صيادها. لقد أثبت إريك ـ فروم في هذا الكتاب ـ أن نزعة التفوق التسلطية عند النازيين تقابلها النزعة المازوخية وهي الخضوع لقوى أعلى, و أرى أنه بإحباط هاتين النزعتين، من الشعور بالتفوق و التسلط من جانب الجماعات المتطرفة في بلادنا، و في نفس الوقت شعورهم بالرغبة في الخضوع لقوة متجبرة, بإحباط هاتين النزعتين، حدث تهديد وجودي لتلك الجماعات فخرجت القوة التدميرية لتغتال كل من هو خارجها فالمجتمع، وهو العالم الخارجي مصدر تهديد شديد لذلك العجز النفسي المريع الذي تقعى فيه، و من ثم يستحق القتل و الحرق و الإبادة.

ـ هل هناك حيل أخرى عديدة لذلك الهرب من العجز والوحدة ومن خشونة الواقع وآلامه؟ 

ـ الإنكار.. وهو إنكار الحدث المؤلم واعتباره كأن لم يكن وبرغم إدراك وعي الإنسان وهو في حالة الإنكار هذه لما حدث إلاَّ أن شعوره يظل غير معترف به نهائيًا. وأيضا الهيستريا نوع من الهرب أحيانا.

ـ كيف يا معلم؟        

ـ عندما يكون الحدث شديد الوطأة على صاحبه، يلجأ إلى تعطيل إحدى وظائف الجسد أو حواسه فتتعطل حاسة اللمس أو الشم أو البصر أو القدرة على النطق أو المشي أو ظهور بعض الأعراض كالإغماء أو الحُمَّى.. كل ذلك يلجأ إليه الإنسان بشكل لاواع كي يصرف نظره عما يحدث له حقيقة، بحدث آخر أكثر صخبًا في نظر الآخرين، فيكسب تعاطفهم، فذلك يخفف من الألم الحقيقي.

ـ ولكن ماهو اللحم الأحمر الذي ذكرته لي في بداية لقائي بك؟

ـ هو ذلك الجرح المكشوف الذي يؤدي بصاحبه إلى الالتصاق بشخص ما كي يغطيه ويرتاح من آلامه 

ـ تقصد أن الالتصاق..هو آلية أخرى من آليات الهرب، من عذاب الانفصال؟ 

ـ الأكثر من ذلك أنها تزيد الإنسان انفصالًا.. فهو مرمي خارج ذاته، منفي من العالم 

أغلب ما يسمونه حبًا.. هو نوع من غلب الالتصاق. في العيادة النفسية رأيت حالات كثيرة من هذا الغلب: سيدة ميتة، لا تشعر بوجودها إلا إذا مرضت، وأحست بآلام جسدها فالشعور بالجسد هو الخطوة الأولى للالتحام بالعالم وبالآخرين، وهو من أقوى العوامل التي تجنب الإنسان آلام انفصاله، (بعض السيدات يمارسن الخيانة ليس بداوعي الجنس، بل كنوع من الالتصاق برجل يشعرها بالأمان.) كما تشعر هذه السيدة بوجودها إذا مارست الجنس مع الشخص الذي اختارته ليشعرها بالأمان. 

ـ أعرف هذا.. فقيمة الأمان هذه هي الأُسُّ الوجودي لمن هو ميت مثلها.. 

فالموت في الإجابة الأخيرة التي حصلت عليها.. هو حالة فائقة من الرعب تؤدى إلى الشلل في جميع حواس الإنسان الشعورية والجسدية بما فيها حاسة اللمس. 

 عقب دخولي المستشفى كنت لا أشعر بساقيّ ثم أكتشفت أننى لا أشعر ببقية جسدي حين دخلت إحدى القاعات والتي نظمت فيها المستشفى حفلا جماعيًا للمرضى، بحثت عن كرسي أجلس عليه، فإذا برجل أراه ينتفض بجوارى، لم أفهم وأكملت الحفل حتى إذا خرجنا إلى حديقة المستشفى وجدت شابًا و كان يتعافى من الإدمان سألنى ضاحكا: 

ـ ماذا فعلتِ؟ 

لم أفعل شيئًا، جلست على الكرسي أتفرج على الحفل.

ـ معقول.. ألم تشعري بما فعلت؟

ـ قلت لم أفعل شيئا؟

ـ ألم تنتبهي أنك جلست على مقعد، يجلس عليه رجل.. لقد انتفض الرجل ودفعك.. ألم تشعري بكل ذلك؟

عرفت أن الذين يفقدون حواسهم، ليسوا موتى فحسب، بل إنهم يفقدون كرامتهم أيضًا. يالرعب الذي تنتهي إليه امرأة حين تفقد حواسها. مسكينة تلك المرأة التي حدثني عنها المعلم الروحي. التصقت برجل، قالت: إنها تشعر معه بالأمان، كانت تزوره فى الفجر لتنام بجواره، وفي إحدى المرات وعقب النوم معها، ركلها بقدميه وطردها من بيته في الصباح الباكر دون سبب تعرفه.

إهانة الجسد ليست فقط فى تركه مع الآخرين للعبث به، بل فى القهر الداخلي الذي يجعلك تلهث وراء آخَر للالتصاق به مهما كان العنوان شرعيا, أقصد بذلك الزواج. 

يرى إريك فروم.. أن الإنسان الملتصق هو ذلك الشخص الذي لم ينمُ نفسياً بمعنى أنه لم يتخلّ عن روابط الأمومة، مازال لحمه جنينيًا أحمر، لم يُفطم بعد، ولا يستطيع أن يعيش بشكل مستقل. على ضوء هذا أدركت إجابة أخرى عن ذلك الموت النفسي.. فإذا غاب عنك ذلك الشخص القريب والذي ترتبط به ارتباطًا نفسيًا عميقًا وتعتمد عليه.. إذا غاب عنك.. تشعر بذلك الموت لأنك لا تشعر بوجودك إلا معه.

ـ ولكن ـ يا معلمي ـ إذا كان انفصالي عن زوجي الأول سببًا في موتي، فما بال زواجي الثاني

ضحك وقال:

ـ زوجك الثاني، ذلك العبقري صاحب الشروط.. كيف تحملت عنفه وقسوته لسبع سنوات؟

ـ رأيته متماسكًا، وقويًا وقادرًا على حمايتي من تفككي.

ـ لكنك لم تسألي نفسك.. لماذا اخترت شخصا كهذا.. هو أيضا منفصل مثلك، فقط هو نوع مختلف من الانفصال، ذلك البارنوي العظيم الصلب. لايمكنه أن يعيش بدون آخر منفصل يحتمل وجوده. كلاكما مثل وجهي عملة واحدة، وكلاكما يفضي إلى الآخر. فعندما ننفصل عن واقعنا الخارجي، نبحث عن نوع من التعويض، وعندما نظن أننا وجدناه، نندفع إليه بعنف، نلتصق به، وشيئا فشيئا، تصبح الحياة بدونه مستحيلة. لأننا نظن أن الحياة بعيدًا عنه ليست سوى خواء.لكننا ـ في الحقيقة ـ ننزف وجودنا، نقطة نقطة، حتى ننتهى إلى موت وجودي محقق. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.