القسوة – الأسباب الخفية لإنكار الذات

القسوة – الأسباب الخفية لإنكار الذات

فردوس عبد الرحمن

اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس

محاولة أن نبدو طيبين جداً حتى نكَون من هذا العالم، شكل مقدس من الدعارة، الوسيلة الكبرى في الصراع مع الألم الطويل ومع السأم.

هكذا رأى نيتشة. وبصرف النظر عن مبالغاته في موضوع الأخلاق هذا، فإن رؤيته أو مقولته تماست جداً مع تجربتي مع الطيبة والقساوة، مع الألم الطويل والتعذيب الذاتي.

هل كنت مدينة لأحد حتى أرتكس في السلبية إلى هذا الحد؟ معتذرة أمام اللص عن وجودي، وأمام الخائنة عن كوني أكون؟

نعم.. فبالمعنى الحرفي للرؤية النتشوية هذه، كنت أنا، فهذه خادمتي تأتي إليّ بملابس رثة، وقدمين شبه حافيتين، ووجه ملطخ بالوسخ والعماص. فأشفق وأشفق. أعطيها ملابسي، وأدفع لها ثمن الكوافير، وأسمح لها بزيارة صديقاتها كما كانت تدعي، وأسلمها إدارة البيت، بما فيها استقبال ضيوفي الذين كانوا يشكون لي اجتراءها عليهم، كنت أتسامح معها حتى في أهمالها لعملها الذي أدفع لها من أجله، أفعل هذا عن قناعة أن جميع البشر متساوون، كنت أعرف أنها تسرقني وأسامحها، تخرب الأدوات المنزلية فلا ألومها، تخايل شباب الحتة ولا أوبخها، بل أقول لنفسي: “لا تؤلموا الإنسان ودعوه يفرح” إلى أن جائتني ـ في أحد الأيام ـ حبلى. عندئذ فقط بدأت أنتبه إلى أن كل ما فعلته معها بدافع إنساني كان نوعا من القسوة، لأنني لم أقدر محدودية وعيها بذاتها، هكذا ومن دون قصد، وبطيبة كاملة، سلمت فتاة قروية ساذجة للدعارة. للقسوة أقنعة بريئة.

لا أعرف لماذا كانت تملؤني الشفقة ـ هكذا ـ على الآخرين، حتى على ظالميّ، سالبي حقوقي، آخذي ما أملك؟ وإذا تكلمت في هذا لن أستطيع أن أحصي المواقف التي تنازلت فيها عن حقوقي. الآن أدرك المعنى الذي يقصده نيتشة: “القديسون هم مجانين الأرض”. ففي الوقت الذي كنت ابتلع فيه قسوة الآخرين بدعوى التسامح، كنت أقسو على نفسي، حتى حاصرت القسوة روحي. 

***

تكلمت في مقال سابق عن النبوة وكيف أنني تمثلتها حتى وقعت في عتمة الأغوار السحيقة للنفس.

الآن أعرف خصائص هذا الوجود العدمي الذي كنته والذي ربما مازال بعض منه في نفسي.

لقد طردتني القسوة إلى داخل ذاتي حين لم أدعها تخرج إلى الحياة، إلى العالم فارتدت إلىّ في لهفة تمزقني وتطاردني وتنكل بي.. هكذا حين نكبح في أنفسنا شيئًا ما، ثم ننكره.. يجد حياته فينا، يمضغنا ويبتلعنا، إنه يتغذّى علينا.

استطالت القسوة بداخلي ثم أخذت تأكل مني بقدر المستطاع.. ما العجب إذن في أن يقسو عليّ العالم؟ في أن يأخذ مني ما أملك وهو مرتاح الضمير؟ أصبحت فريسة سهلة للقسوة. أتحدّى شخصًا أخذ مني شيئًا ثم عذبه ضميره.. للضحية رائحة، وللفريسة إغواء. 

هكذا اغتصبت نفسي سراً حين لم أدافع عنها إلاّ بالبكاء.

هذا التوق إلى ضدي هو القسوة بعينها، التي لم أدفعها أبدًا إلى الخارج، لم أمارسها على الآخرين، فإذا بها تتمدد فيَّ وتأكلني.

يحيلني هذا إلى فكرة الذنب التي نصعد عليها، إلى المثل العليا.. تلك التي نتشعلق عليها بعيداً عن الأرض فنتحول إلى أنبياء كاذبين.

نعم.. أنا نبية كاذبة.. دفعتني الطيبة الساذجة إلى الإضرار ببسطاء الوعي كخادمتي، وإلى زيادة شره اللصوص الذين قابلتهم في الحياة.

تربيت ـ مهنيًا ـ داخل إذاعة إقليمية.. تفوقت فيها حيث قمت بالعديد من الحملات الخيرية، كان أهمها إنقاذ قرية كاملة نشب فيها حريق هائل داخل محافظتي، قضى الحريق على بيوت الفقراء، على أدواتهم وملابسهم وتعرض البعض منهم للحرق.

حملات طبية كاملة ذهبت معي إلى تلك القرية، عربات نقل من شتى المحافظات محملة بالبطاطين والملابس. ومع كل هذا الإخلاص والنجاح في عملي، فوجئت بمديري يعقد اجتماعًا، تصورت أنه سوف يكون تكريمًا لي، أو على الأقل وضع الخطة التالية لاستكمال هذا النجاح.. فإذا به يشكر زميلة أخرى ليس لها أية علاقة بما فعلت، يشكرها على هذا العمل الجليل.. نظر الجميع باندهاش ثم صوَّبوا النظر إلىّ.. منتظرين مني كلامًا، دفاعًا عن نفسي، اتهامًا أو أي ردة فعل، إلاّ أنني لم أنطق وخرجت من الاجتماع صامتة لأكمل مشروعي.

ما الذي أسكتني وقتها؟.. بالطبع.. كانت النبوة الزائفة والمثاليات التي أتشعلق بها، حتى يبدو لي أنني أفعل الخير لذاته ليس طلبًا لشهرة أو مجد أو مال. هكذا أردت أن أقدم نفسي للحياة. فما الذي أدت إليه تلك المثالية؟

مع إحدى شحنات الملابس التي أتت لهذا الغرض “حريق القرية الهائل” والتي وصلت إلى مبنى الإذاعة بعد منتصف الليل.. كان المدير ساهراً في مكتبه فأرسل إلى أحبائه “بعض الزملاء والزميلات” ووزع عليهم أرقى وأجود الملابس التي أتت في هذه الشحنة وترك الهزيل وغير ذي القيمة لتوزع على فقراء القرية.. ساعتها توقفت عن الحملة وانتهي المشروع بهذا الفشل دون أن أواجه أحدًا. 

إنكار الذات هي جريمتنا في حق الذات.. 

كيف لذات تنكرها أن تكون فاعلة؟ أنت بنكرانك إياها تشل قدرتها على الفعل المثمر والمضئ.. لذلك لم يثمر عطائي في تلك اللحظة إلا لصوصية وعهرًا.. أكان ذلك خيرًا أم شرًا!!

أدرك الآن أن الإيثار وإنكار الذات والتضحية هي القساوة بعينها.

أية بهيمة مجنونة وحزينة هو الإنسان، كما يقول نيتشة.

ما الذي يدفعك إلى إنكار ذاتك؟

هل لأنك لا تقوى على حملها فتتخلص منها عند أقرب صندوق قمامة؟

نعم.. فالذات هي حمل الوجود الأثقل.. ما أسهل أن تمضي بدونها، بدون مطالبها التي لا تنتهي، بدون صراخها الأبدي.

هل يمكن أن تتخلص من أذنيك كي لا تسمع صراخ ذاتك، أن تكف بصرك عن النظر كي لا تراها تعوي في الليل؟

الذات همك الأوحد في هذا العالم ولا فرق بين أن تتخلص منها في صندوق قمامة كما يفعل الطفيليون والمتسوقون، أو تتبرأ منها وتتركها نهباً للآخرين كما يفعل المضحون العظام.

أعجب ما أتساءل بشأنه الآن.. إذا كنت قد أنكرت ذاتك ورميتها في صندوق قمامة أو خبأتها في مكان ما عدت تعرفه أو تصدقت بها على متسول جائع… لماذا تحزن إن لم يرك أحد، إن استباح الآخرون ممتلكاتك، جهدك وأفعالك؟ لماذا غص حلقي عندما نسب مديري ما قمت به إلى زميلة أخرى يريد أن يُصعِّدها في السلم الوظيفي؟ إذا كان من قام بذلك الجهد شبح باهت سوف يتلاشى فور إضاءة المصباح في الليل أو مجيء الصباح.

أتكلم الآن من فوهة ذات اُعدِمت العافية.. يالتلك المسكينة التي خبأتها في قبو ثم مشيت أبكي عليها طوال حياتي.. كان العدل أن أنزل إليها وأجرب ظلمتها حين متُّ أربع سنوات.

إنكار الذات هو الكراهية بعينها. أحتقر ذاتي وأنكرها وأواريها عن الآخر فأحتقر الآخر وأنكره وأواريه عن نفسي.. شعورك بالعالم هو شعورك بذاتك أولًا.. فإن كنت تحبها وتحميها، سوف تحب الآخرين وتحاول حمايتهم، وإن كنت تخجل منها وتواريها دائمًا، سوف تخجل من العالم الذي جئت إليه وتنكره.. هل كان من الممكن أن أرضى بسلب حقوقي هكذا إلاّ باحتقار الآخر وإنكاره!! ذلك هو فعل الضغينة، خبيئة الغيظ، ضياع الحب للأبد. فإن كنت لا تملك ذاتًا فبما تحب؟ وإن كنت تنشد السلام بهذه الطريقة، فسلام الجماعة هو سجن الذات وجبها.

نتنة تلك الذات التي تُسحق وتدفن كل هذه السنوات لذلك كان “صاحب الشروط” يشمها وهي راقدة بجواره على السرير.

لعل الشفقة أتتني من هذا الباب.. فجذر الشفقة على الآخرين هو الشفقة على الذات.

الشفقة هي شعور بالدونية .. أشفق على ذاتي حيث أدرك أنها أدنى من تحمل مسئولية وجودها، وأشفق على الآخر لأنه أقل من أن يضطلع بمسئولياته.

عندما انفصلت عن “صاحب الشروط” ملأتني الشفقة تجاهه بقسوة مع أنني أعرف احتماله للوحدة والصمت، قدرته على حماية ذاته من العبث بها.. لكنني أشفقت عليه وكأنني أنا هو الذي بلا أسرة وبلا بيت ولا أولاد.. هل كنت أنتقم منه بهذا الشعور؟ أم أن أنا التي في نفسي فراغ دائم لتلبُّس الآخر؟.. ذاتي التي تتزحزح باستمرار لتترك مكانها له، حتى أنت أيها القارئ العزيز أمنحك ذاتي، وأشرِّحها أمامك بمنتهى السهولة، متوهمة أنك سوف تصعد عليها، تقفز على آلامها بدلاً من آلامك أنت.

يالتلك الشفقة المروعة التي تترك الدم يسيل هكذا دون أن أخجل منه؟

قالوا لي: إنك شجاعة لأنك تفعلين هذا.. لكنني أعرف أنني لا أملك الدروع الكافية لحماية ذاتي من نظرات الآخرين.

لماذا أفعل بنفسي هذا؟ 

وُلِدنا من رحم الخطيئة الكبرى”عصيان آدم للإله” وها هي تأكلنا عن آخرنا. كانت الطقوس الدينية البدائية تذبح الأطفال وحوريات الحياة، الفتيات الصغيرات، وبواكيرها من الصبية أبكار آبائهم تكفيرًا عن هذا الذنب، تكفيرًا عن ولادتنا.. لقد نجا إسماعيل بأعجوبة من يد أبيه إبراهيم. وعبد الله ـ أبو النبي محمد ـ اختارته الآلهة سبع مرات ليُذبح على يد أبيه عبد المطلب، ولولا أن الرجل ضحىّ بكل إبله وأغنامه ما كان عبد الله وما كان محمد وما كانت صيرورة التاريخ.

الذنب هو جرم الذات ودونيتها واستحقاقها للقتل والتعذيب.

مع تطور الإنسانية، وبُعدها عن تلك الطقوس المتوحشة، لجأ الإنسان إلى وسيلة أخرى يكفر بها عن ذلك الذنب الوجودي، يسترضي بها نفس الآلهة القديمة التي ما زالت قابعة في خافيته كما يقول يونج. تلك الوسيلة كانت إعدام الحياة، ونفي الذات، ولكن بطريقة أخرى، طريقة تليق بحداثتنا وكبريائنا ألا وهي المثالية التي هي في حقيقتها نأي واحتقار.

أن نحتقر الحياة، أن نحتقر كل عمل ينقعنا في طينة هذه الأرض، لهو الفناء بعينه.

الكراهية أنبل من الاحتقار، الكراهية قوة دافعة للتغيير، أن أكره ما أنا عليه لأتغير، أن أكره ما أنت عليه فأغيرك حتى ولو بالعنف، حتى ولو بإزاحتك من هذا الوجود فيكون أجمل في عيني، لأحيا في أمان منك.. في الكراهية نبحث عن الحياة.. إذن فالكراهية إشتباك مع الوجود، وتقدير له، إنها تخلق الصراع وبالصراع تتجدد الحياة باستمرار.

كره الإنسان موات الأرض.. صمتها وخمودها، تذكيرها له بفنائه “فهي على هذه الحال لا تصلح إلاّ أن تكون قبرًا له” فبقر بطنها بالفأس وأرغمها على الإنبات، كره البحر وتيهه ووقوفه حائلًا بينه وبين العالم، عزله وسجنه داخل أرض واحدة فشق بطنه بخشب الأشجار، بالمراكب الصغيرة ثم الكبيرة فاكتشف عالمًا آخر وكونًا آخر فاتسعت حياته، كره كل ما هدده وأخافه فتحرك بعنف ليزيح الفناء من طريقه.

العدوان هو فاعلية الحياة وإيجابيتها.

لم تكن للإنسان الأول رفاهية السلام.. فإمَّا أن يشتسرش ويعتدي وينصاع لقانون الصراع وإمَّا أن يشفق ويرتاح من القسوة فيجوع ويعرى ويتعفن داخل كهفه.

العدوان هو أنبل ما في الوجود.

الحب عدوان، كراهية للآخر المجهول، ولوج إلى أحشائه لمعرفته والسيطرة عليه.. يلج الذكر إلى أحشاء الأنثى ليبدد غربة العالم ومجهوليتها التي تخيفه، ليجبرها على الإنبات والزرع كما أجبر الأرض قبل ذلك فيضج العالم بالحياة ويأنس له.

كذلك تفعل الأنثى مع الذكر.. تقبض عليه، تمسكه من العصب لترغمه على الدخول إليها لأنسها وتبديد وحشتها، الانحباس داخل أحشائها ثم حرثها ليخرج نبت جديد فيضج العالم بالحياة وتأنس له.

يالفضيلة الكراهية والعدوان، فضيلة الونس على هذه الأرض، فضيلة إجبار العالم على الحركة والضجيج.

أما الاحتقار فشئ آخر..الاحتقار هو السلبية، النأي، الابتعاد عن هذه الأرض والبحث عن كهف في السماء.

كل أولئك المثاليين الذين احتقروا قانون الأرض وجبلتها، أزعجهم ضجيجها.. بحثوا عن ذلك الكهف السماوي العدمي ظنًا منهم أن أرواحهم من جبلة سماوية، ولا يليق أن تنحط هكذا على الأرض وسط الروث والدم والعفار. ولكن كيف يفعلون هذا وأجسادهم طينية كما هي؟ أرضية بما يكفي، مليئة بالوسخ والدم.. إذن كان لابد من احتقار هذه الأجساد بإذلالها وتعذيبها ومعاقبتها على جبلتها الأرضية.

من هنا نشأت الطقوس العبادية التطهرية ثم تضخمت لدى البعض فامتنعوا عن الزواج، امتنعوا عن إرضاء غرائزهم في الطعام والشراب، جاعوا ووهنوا، وقفوا على رؤوس المسامير.. أشكال وأشكال من التعذيب الجسدي مارسه هؤلاء على أنفسهم وعلى غيرهم أحيانًا.

يالفضيحة الأجساد في نظر هؤلاء، الذنب الذي تنتفخ به جلودهم.. ما أقساهم.. ما أقساهم أولئك التطهريون عندما نفخوا تلك القيم في وجه العالم، عندما نزلوا علينا من سماواتهم ليرغمونا عليها ويملؤونا بها في صورة أديان وقيم سماوية، عندما أحاطونا بالذنب وخوفونا من العقاب.. عقاب على ماذا؟ على أننا أرضيين مليئين بالوسخ والدم؟

“دع روحك ناصعة لا تلوثها بجسدك” هكذا كنت أعتقد فحلمت بالحب العذري وظللت هكذا إلى أن تزوجت فاصطدمت بجسدي وكرهت المعاشرة الزوجية وبالتدريج بالتدريج انفصلت عنه..عن جسدي

ماذا يفعل الإنسان الحديث عندما تملؤه هذه الأفكار، من احتقار الجسد ونكرانه، من احتقار الأرض ووسخها.. غير الارتفاع والانفصال..لم يكن بإمكانه أن يقف على رؤوس المسامير، لم يعد بإمكانه أن يحرم نفسه من الطعام، من رفاهية الجسد وهي الحاكمة الآن في هذا العالم.. إذن فلينكر فلينفصل، فليعلو ويعلو ثم يرتاح على قمة جبل في السماء.

السماء ليس بها مسامير، ليس بها نيران لشي الأفخاذ والأذرع.. لكن بها ما هو أقسى من ذلك.. بها العدم حيث أقسى أنواع العذاب، أقسى أنواع التكفير عن الذنب، الاعتذار عن الوجود.

حكى لي طبيب نفسي أنه كان يمنع مرضى الاكتئاب من ممارسة شعائر الحج والعمرة، من دخول تلك الأجواء الروحانية لأنها سوف تضخم الذنب بداخلهم حيث جذر الاكتئاب هو شعور عنيف بالذنب والدونية. 

..قالها لي سرًا.. كاد يقبل يد مريض بالاكتئاب حتى لا يذهب لأداء شعيرة الحج إلاّ أن المريض تمرد عليه وذهب رغمًا عنه فتضخم شعور الذنب بداخل هذا المريض وانتحر.

أعرف أنني سوف أجد من يسيء فهم ما أقول ولكن عزيزي القارئ نفّض الذنب عن نفسك واسمع ما أقول.. لاتؤدي شعيرة الحج وأنت محفوف بالذنب، أدِّها كطقس يعود بك إلى طينتك وأرضيتك، يلحمك بالتراب والحجر.. نعم قبِّل الحجر، قدِّسه وضع رأسك عليه هذا أفضل بكثير، حطِّم تلك الأفكار، بعثرها على الرمل ودس عليها، اسع بين الصفا والمروة دون حكمة ودون غرض، لاتفكر، دع جسدك وحده يتكلم، أنصت إليه، لتقدره وتحترمه وتنهي تلك القطيعة بينك وبينه.

قد يتخيل البعض أنني بهذا الحديث عن الذنب والخطيئة والعقاب أضرب فكرة الأديان برمتها بما تحمل من قيم ومثل عليا ولكنني في الحقيقة أضرب التصورات التي تراكمت عبر الزمان عن هذا الإله الشرس المتعطش للدم والعذاب، أضرب تلك الوثنية التي استقرت في اللاشعور الإنساني والتي تصورت الإله هكذا يحتاج بين الحين والحين أن يشرب دم ضحية ما، يحتاج صنوف التعذيب والقتل والعذاب حتى يرتاح على عرشه، أحاول أن أؤسس لتصور آخر تمامًا عن الله، تصور يرتبط بعظمة الإنسان ومجده لا دونيته وذله، أحاول أن أنفض الذنب عن الإنسان والذي هو دونية ودينونة.. يا أيها الإنسان لست مدينًا لأحد سوى إنسانيتك نفسها.

إن مشاعر الذنب علمياً تؤدي إلى الضِّعة وقد حذَّر منها جميع علماء النفس لأن الإنسان عندما يشعر بالدونية والصغر في عين نفسه يرتكب من الآثام ما يؤكد شعوره بتلك الضِّعة، وعندما يتأكد ذلك الشعور لديه يعيد ويكرر تلك الخطايا، وربما بشكل أحقر حيث يغرق في الحقارة إلى آخره، ومن هنا نستطيع أن نفسر لماذا يذهب شخص ما لأداء شعيرة الحج أو العمرة بغرض التطهر والاغتسال من ذنوبه ثم يعود أسوأ مما كان، يرتكب نفس الخطايا والذنوب. ومن هنا أيضًا نستطيع أن نفسر لماذا يمنع بعض الأطباء “مرضى الذنب.. الاكتئاب والدونية” من أداء تلك الشعيرة بهذا المعنى “الاغتسال والتطهر” والذي يزيد الإحساس بالوساخة والدونية.

أما عن كلامي عن أداء تلك العبادات دون أفكار تطهرية كبرى فهو نوع من كسر تضخم الوعي والذي يؤدي بالتدريج للاستعلاء عن أداء تلك الطقوس العبادية.. أعرف رجلًا مثقفًا كان يؤدي شعيرة الحج ثم إذا أتى إلى فريضة السعي بين الصفا والمروة إذا به يتوقف ويسأل نفسه ما هذا الهراء الذي أفعله، ما هذا العبث؟ فيعود أدراجه وقد أفسد الفريضة، لقد لجأ هذا الرجل إلى العقل ليبرر له تلك الشعيرة فلم يستطع، ليس هناك إجابة داخل الادراك العقلي، تكمن الإجابة في مكان آخر تمامًاً وهذا ما أشرت إليه.. هناك رؤية شاملة لكارل جوستاف يونج “عالم النفس السويسري” والذي هوجم كثيرًا في زمنه على إيمانه بالله، بل سُخر منه على تفسيراته الإيمانية، مما حدا به إلى أن يكتب على باب بيته “الله موجود”. أعلى يونج من شأن البدائية والاعتراف بها داخل أنفسنا، وممارستها في شكل طقوس واحتفالات بما فيها الشعائر الدينية، حيث تكون تلك الممارسات البدائية بمثابة مسارب للطاقة البدئية الموجودة داخل الإنسان والتي إن كُبِتت وتم منعها عن الخروج نهائياً ـ كما تدعو المثاليات ـ سوف تكون طاقة مدمرة.. تخرج على الإنسان لتلتهمه، وقد أشرت إلى هذا في عدة مواضع من الكتاب «أنا العزيز» وخاصة في فصل “الجب” وفي فصل”الظل” مع شرح كامل لنظرية “البرسونة والظل”ليونج.

خلقنا الله لنكون خلفاءه على الأرض لا أذلاّءه ومذنبيه، لنتمثل مجده وعظمته، لا لنرتكس في الدونية والذنب ونهون حتى على أنفسنا. 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s