ريبيكا روث غولد
ترجمة صالح الرزوق بالاشتراك مع الكاتبة
اللوحة: من رسومات فرانز كافكا
التقيت اليوم بفرانز كافكا. كان شعره يلمع بمخلفات المقبرة. ونقرة رأسه تغطيها خصلات شعر لها لون أشجار النخيل، وكانت القشرة تتطاير منه كأنها سراب فوق أرض صحراوية. وعيناه الفارغتان النفاذتان بحجم حدقتي صقر.
قلت له: “ماذا تفعل يافرانز في مثل هذه الساعة؟. عليك أن تكون في السرير الآن”.
غمز لي مع ابتسامة عريضة، وأبرز ما تبقى من أسنانه القليلة. كانت بلون طبقة مرهم مر عليها ثلاثة أيام فوق جلد طفل رضيع. قلت له أيضا: “لماذا لا ترد يا فرانز؟ تكلم. أنت مولود أساسا لتتكلم”.
قال: “كنت أتكلم طوال حياتي. ولكن لم يسمعني أحد. والآن تخطاني الوقت. فأنا ميت”.
هذه حقيقة. يا له من صبي مسكين. لم يكن يبدو عليه أنه رجل بالغ أبدا. وجلس هناك بثياب الهالوين: عباءة بيضاء مع ثقبين تحت جبينه بمثابة عيني وحش مرعب وقع بالأسر في داخل جسم طفل صغير، تجمد عند عامه الثاني والعشرين.
قلت له: “أشعر بالأسف لك يا فرانز. أنت عالق بجسم ولد صغير. وتبدو بعمر اثنين وعشرين عاما”.
رد بنغمة موسيقية: “لو وافقت على الزواج لن أتعفن وأصطبغ باللون الأزرق”.
قلت: “هذه نكتة رخيصة. يمكنك أن تخترع كلاما أفضل. تكلم بلغة نثرية. فقد قطعنا مشوارا طويلا في عالم الشعر بعد موتك، وليس لديك فرصة لتحديث نفسك واللحاق بنا”.
سألني: “وماذا عن النثر؟”.
قلت له: “الرواية – يا للرواية – دائما متأخرة. لا زلت سباقا بهذا المجال يا أخي”.
وبدا عليه أنه يفكر: كم هذا غريب لأنني أكلمه بألفة بالغة، مع أنني في نهاية المطاف امرأة، ولكن شرحت له الثورة الجنسية وفي النهاية أشرق مصباح الفهم في ذهنه.
قلت له: “بسيطة. تبدل العالم بطريقة غير معهودة بعد ولادتك. ونذر الحرب غابت تماما. وهي الآن تشبه فقاعة علكة تتوسع كلما أضفت حبة لها. ونحن نتابع المضغ، نمضغ، ونمضغ، حتى يأتي أخرق ويفرقعها وهي في فمنا”.
سألني: “ومتى سيحين الأوان؟”.
قلت له: “عندما ينتهي العالم بحرب نووية”.
سألني: “كيف تسنى لك معرفة كل ذلك؟. كيف يمكن أن تكوني متأكدة لهذه الدرجة؟”.
اقتربت منه ليشم رائحة البيرة وهي تتطاير من فمي وقلت له: “أتمرن يا صغيري”.
كان الزبد لا يزال على شفتي. وأردفت: “وعندي موهبة لمعرفة الحقيقة”.
قال: “بكل تأكيد كانت النساء مختلفات في عصري وحياتي. كانوا رقيقات وكنت محبا لهن”.
قلت: “وأنا مثلك”.
استبقاني فرانز مستيقظة، حتى انتصف الليل، ولم أجد فرصة للنوم. وأخبرته أنني أستحق أن أرقد، فقد تعبت طوال حياتي. لكنه لم يوافق. تعاقب الأجيال هو الذي يربح. تابع فرانز الكلام. وكنت أصغي له. كان صوته الهادئ يرن بقوة في أذني، مثل فأس تضرب بها بكل قواك. وفي نهاية الأمر سألته ما الهدف. ماذا تعني.. قال: “أي هدف؟”. كان مضطربا. وكانت هذه أول مرة أقاطعه بها وهو بمنتصف كلامه.
أوضحت قائلة: “الهدف من كتاباتك. ما الهدف إن لم تساعد على تسكين الآلام”.
قال: “على مهلك. نحن بحاجة لكتب تجلب لنا سوء الحظ. تدفعنا للمعاناة مثل موت إنسان نحبه أكثر من أنفسنا. تجعلنا نعتقد كما لو أننا على حافة الانتحار…”.
قاطعته مجددا: “لماذا تقول ذلك يا فرانز؟”.
تجاهل كلامي. قال: “الكتاب يخاطب الضائع في منطقة متجمدة نائية معزولة عن البشر. على أي كتاب أن يكون مثل فأس يكسر البحر المتجمد في داخلنا”.
والآن بعد أن عبر عن رأيه لا أعتقد أنه سيصمت أبدا. كان صوت فرانز مثل بوق وحيد في وسط البحر، غير أن وحدته شيء لا يهمه، وربما، لا يهمني. وهكذا تابع فرانز حديثه معي.

ريبيكا روث غولد Rebecca Ruth Gould أستاذة الأدب المقارن والحضارة الإسلامية في جامعة برمنغهام – المملكة المتحدة. تترجم من اللغتين الفارسية والروسية. ولها كتاب عن شعر السجون في الأدب الفارسي القديم.