رمضان في بني مجد (4) 

رمضان في بني مجد (4) 

د. جمال عبد الرحمن

اللوحة: الفنانة المصرية تحية حليم

مفطرة في بيت العائلة

في تلك السنوات لم تكن القرية قد عرفت بعد نظام الشقق السكنية، بل كانت تعرف نظام البيت العائلي: الأم والأب -بعد أن كبر أبناؤهما وتزوجوا- يعيشان في الدور الأرضي، حيث مكان إعداد الطعام، و”حوش” البهائم، ومكان الغسيل، والفرن، وحجرة عند الباب الكبير لاستقبال الضيوف الرجال. في الدور الأرضي أيضا ينام الأحفاد غير الرضّع، في رعاية الجدة. في بيوت العائلات في القرية ليس للمرأة المتزوجة سوى حجرة واحدة تعتبر منطقتها المحرمة: الحجرة التي تنام فيها. الحجرات الأخرى في بيت العائلة مشاع للجميع. حتى المنطقة المحرمة كانت متاحة للأطفال دون السابعة. وقد دخل الطفل حجرة زوجة عمه ذات يوم صباحا فوجدها تأكل. هنا استدار وجرى إلى حيث جدته. 

– لماذا تلهث؟

– دخلت حجرة زوجة عمى…فوجدتها تأكل

– لأنها مريضة

– لكنها ليست نائمة في الفراش، ولا تأخذ أدوية…. 

– لماذا دخلت حجرتها؟

– كنت أبحث عن الكرة

– الكبار يصومون، لكن إذا كانت المرأة مريضة فلا يجب أن تصوم. هل فهمت الآن؟

– نعم، لكن…

– اذهب الآن لتلعب بالكرة.

امتثل الطفل لأمر جدته، وقد سمعها تقول لعمته “قولى لزوجات أخوتك أن يغلقن باب الحجرة إذا تعيّن على إحداهن أن تفطر. ابن أخيك لن يكتفى بإجابتى، بل سيواصل الأسئلة، وستعرف القرية كلها أن زوجة أخيك قد أفطرت اليوم. ربنا يستر.

الوقت المتبقي على أذان المغرب

كان عدد أجهزة الراديو في بنى مجد يعد على أصابع اليد الواحدة. قل مثل ذلك عن الساعات. في الحقيقة لم يكن أهل القرية في حاجة إلى ساعة، فالحياة تبدأ مع أذان الفجر، والغداء يكون بعد صلاة الظهر مباشرة، والعشاء يكون بعد صلاة المغرب، وغالبا ما يأوي الرجل إلى فراشه بعد صلاة العشاء، حيث لا كهرباء ولا مسلسلات. في رمضان كان الأمر يختلف قليلا. كان الناس يريدون معرفة الوقت المتبقي على أذان المغرب. يتذكر الطفل أن عمته، رحمها الله، أرسلته ذات يوم إلى عمه -وكانت لديه ساعة جيب عتيقة- ليسأله كم الساعة الآن، حتى تحسب الوقت. ذهب الطفل إلى بيت عمه وسأله عن الساعة. كان عمه مضطجعا فاعتدل، ثم وضع يده تحت إبطه، وتحسس مكان ساعة الجيب. أخرج الساعة ثم رفع غطاءها، وتحرى وضعها في النور ثم أعلن: “قل لها إن الساعة الآن الرابعة، وسلم لى عليها”. قبل أن يغادر الطفل بيت عمه كان عليه أن يمر بفناء البيت حيث النساء. قالت إحداهن: “تعال هنا، خذ الغربال معك”، ثم أرسلت من يحضر الغربال، ولما جاءت الفتاة ومعها الغربال، أضافت: ” وقل لعمتك إذا كانت ستخبز…” وسردت له حكاية طويلة انتهت بقولها “أوعى تنسى”. خرج الطفل من بيت عمه أخيرا، فوجد أقرانه يستعدون للعب الكرة. كان لابد من أن يذكّرهم بأنه سيعود حالا بعد أن يخبر عمته بالساعة. طلبوا منه ألا ينصرف قبل تسمية الفريقين. استغرق التقسيم وقتا، إذ كان يجب أن يكون الفريقان متكافئين تقريبا. بعد التقسيم طلب منهم أن ينتظروه، فعليه أن يخبر عمته بالساعة. وصل إلى البيت وبحث عن عمته، فوجدها عند الفرن. قال لها بثقة يحسد عليها: ” عمى يقول لك إن الساعة الآن الرابعة، ويسلّم عليك”.

الراديو

كان الأطفال يلعبون في الشارع ليلا، وكانت النساء تجتمعن بعد الإفطار لتبادل الحديث لوقت قصير، إذ سرعان ما يغالبهن النوم بعد يوم عمل شاق، يشمل تنظيف الأرض تحت الماشية، وإطعام الطيور، وإعداد طعام الإفطار، وكنس تراب البيت بسباطة نخل، وهى مهمة مستحيلة، تماما مثل محاولة ملء “غربال” بالماء، وربما صاحب كل ذلك خبيز أو غسيل. كان الراديو ترفا لا يتمتع به إلا رجال قليلون، وهؤلاء كانوا يستمعون إلى “ألف ليلة وليلة”، ومسلسل فؤاد المهندس وشويكار. أقل من ساعة يقضيها الرجل في الاستماع إلى الراديو، هذا إذا كانت البطارية بحالة جيدة، أما غير ذلك فكانت “الخرخشة” تغطى على صوت فؤاد المهندس، فلا أحد يستطيع تمييز ما يقول. أحيانا كان الرجل يضرب الراديو بقبضة يده فيعود الصوت واضحا جليا دقائق معدودة، ثم تعود الخرخشة لتغطى على صوت شويكار هذه المرة. ولا ينسى الطفل تلك الليلة التى حرم فيها من الاستماع إلى سيد مكاوي وهو يشدو بأبيات فؤاد حداد في حلقات “المسحراتي”. يومها لم يكن يعرف من هو فؤاد حداد، لكنه حزن كثيرا، لدرجة أن أباه قرر الذهاب إلى منفلوط في صباح اليوم التالي لشراء بطارية جديدة.


رمضان في بنى مجد (1)

رمضان في بني مجد (2)

رمضان في بني مجد (3)

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s