الحلم المنكسر ومفارقات الاكتمال – في ديوان «دندنة» للشاعرة حنان عبد القادر

الحلم المنكسر ومفارقات الاكتمال – في ديوان «دندنة» للشاعرة حنان عبد القادر

د. شريف سعد الجيار

اللوحة: الفنان الإنجليزي فريدريك جودال

هذا الديوان يعد اكتشافا لعالم حنان عبد القادر الشعري، الذي حينما نلجه من خلال هذا الديوان، نجدنا نتعامل مع ذات شعرية حائرة، تعاني مرارة الحزن والألم، تتعجب من العالم، وتقاسي من الانتقال الدائم الذي يبحث عن الاستقرار، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل البحث عن الاستقرار هنا على الصعيد النفسي، أو الاستقرار على الصعيد الفيزيقي؟

 الاستقرار لدى الشاعرة حنان عبد القادر من خلال هذا الديوان هو ما يمكن أن نجده في الثنائية: الوطن الحبيب، أو الحبيب الوطن، فهي لن تجد وطنا إلا بوجود هذا الحبيب، ذات تبحث عن الحرية والسرمدية وتحقيق الحلم، نلحظ هذا ليس من الدندنة التي عنونت بها ديوانها، لكن من خلال العتبة الأولى للديوان وهي الإهداء فهي تقول: “إلى طيور الحرية، وشمس النهار العفية، إلى نوارس البحار في رحلتها السرمدية، إلى عبق الحب أينما كان”.

ومن ثم نلحظ مثلثا تنطلق منه حنان عبد القادر للتعبيرعن أزمتها مع الواقع، ومع الحب، يتلخص في ثلاثة ألفاظ هي الحرية والسرمدية والحب، لذا نلحظ أن هذا الديوان الذي يتشكل من إحدى وعشرين قصيدة، أو من إحدى وعشرين جملة طويلة كما يعتبرها النقاد، تعبر كلها عن لحن واحد متعدد العناوين أو متعدد العتبات، فنلحظ أن ذات حنان ذات شاعرة حائرة حزينة، تبحث عن أمل وضوء، عن حبيب هو الوطن ليخرجها من خلف ستائر الظلمة إلى عالم الحياة، وذلك نجده في قصيدة حلم: 

عصفور جسور نقر على الشبابيك 

 قلبه الصغير بجناحين طاير 

بيقول ياصبح إمتى أشتريك 

 لجل اما يهدى فؤادي اللي حاير 

 ياضي صوب ناحيتي سهمك 

ياهلترى ح تسيبني خلف الستاير؟

العاطفة واحدة لدى الجنس البشري

إن الذات الشاعرة في هذا الديوان تبحث عن ضوء، عن حلم، عن حرية،عن حبيب، وفي النهاية عن وطن يخرجها من ستائر الظلمة إلى عالم الحياة، لذا هذا البعد: الحلم المنكسر لدى حنان عبد القادر في هذا الديوان، جعل المعجم اللفظي يحمل ما يعرف “بالبارادوكس” أو المفارقة اللفظية، وهذا ما سنوضحه تاليا.

إن ما يعجني في هذا الديوان أن الذات المتحدثة رغم أنها أنثى، إلا أنها في غير موضع في هذا الديوان تتحدث بلسان الذكر، وكأن الشاعرة أرادت أن تقول إن العاطفة لاتختلف إذا اختلفت الأصوات، بمعنى أن الحب لدى الإنسان هو الحب، سواء قاله رجل أو قالته امرأة، لذا نلحظها تحلم في قصيدة “لو تواتي” بكون مثالي أرادت التوحد فيه مع هذا الرجل – الحبيب، ليصبح كونهما واحدا، تقول فيها:

ياحضن أدفى من الحنان 

يانفحة العطر الجنان 

يا أحلى من لمس النسيم خد العذارى

بحلم بكوني جوه كونك 

زي نجمة 

زي همسة حب بتصافح فؤاد الليل   

 يبوح 

يفتح المكنون 

ويهدي للحبايب فرحتين.

أرادت أن تجد هذا الحبيب حتى ترى ما يعرف بالكونية الإنسانية غير المتحققة على الإطلاق إلا بوجود هذا الإنسان “الوطن – الحبيب” الذي يعد الحياة بالنسبة لها، لذا نجد الذات الشاعرة هنا تشعر بالاغتراب وعدم الاستقرار، هي لاتمتلك وطنا، فهي لا تشعر بالاضطراب النفسي فقط، ولكن بالاغتراب المكاني أيضا، فالإحساس بعدم وجود الوطن يجعل الإحساس بالاغتراب مكانياً ونفسياً على حد سواء، نلحظ ذلك في قصيدة “تهويمات الحلم الجميل”: 

أنا بعشقك موال أصيل أخضر 

يسكن يخضَّر قلبنا الدبلان من الوحدة

وبعشقك سلسال براءة 

ولحن بيحب الجراءة

وملاذ لكل المحرومين.

نجد هنا أن الآخر هو الذي يعطي الحياة، والذات الشاعرة تشعر بالحرمان من الحب، ليس فقط لأنها امرأة ولكن لأنها إنسانة.

الرجل مصدر الحنان

كثيرا ما نأخذ من المرأة الحنان ولكن هل الرجل أيضا مصدر للحنان؟ نعم، في عالم حنان عبد القادر أعتقد أن الإنسان على البعد النفسي إذا كررلفظة بعينها، أو جملة بعينها، أو حالة بعينها أو أزمة بعينها، فهو يريد عكس هذا أو يعاني من عكسها، نلحظ أن الثلاثي: “الرجل – الحبيب – مصدر الحنان”، موجود في كل قصائد الديوان فيما عدا قصائد المناسبات التي ضمنتها الشاعرة في نهايته، ونلحظ أن الرجل الولد هو الذي ينهي الانكسار، ينهي المرارة ويضيئ الظلمة.

الرجل في هذا الديوان يحمل الإسقاط الرمزي للنور وللحياة، للحب، للديمومة والاستمرار، هو مصدر الحياة ومنبع الحنان.

 عندما ينظم الشاعر الرجل غزله في امرأة يراها الأم والحياة والعطاء والانتماء والصيرورة، يراها الوطن والحنان، هنا نجد العكس تماما، الرجل عند حنان عبد القادر هو الصيرورة والنيل والحنان، بل هو الحياة، نلحظ ذلك في نص: راهب العود والدندنة، حيث تقول:

يا هل ترى

أصل الولد ماهر

حاضن بقلبه العود

وبريشة الضلع اليمين

يعزف لنا.. نفرح

وبريشة الضلع الشمال

يدخل كما ضي القمر

لجفون سباها الليل

بتحلم

بانحسار المر والعتمة

أصل الولد مليان بكا

واهب فؤاده للشجن

والدندنة.

الدندنة مليئة بالشجن مليئة بالألم بالحلم في “انحسار المر والعتمة”، الولد الرجل هو المنارة الحقيقية التي تتحرك من خلالها امرأة القرن الواحد والعشرين.

وفي “بسمة أمل”،عنوان لقصيدة تحمل الحلم، والأمل في الحياة، تحمل الضمير والسلام تقول فيها:

 لوح بإيدك للسما السابعة 

لون وشوشنا ياعلم لونك 

لكن حذاري في قلوب الوِلْد

تزرع لنا غير الأمل 

رفرف وحوم في سمانا وأرضنا

صحي العزيمة والأمل فينا 

صحصح ضمايرنا اللي تاهت في الزحام

واحفر لنا فوق الجبين شامة

يا كلمة وعلامة

حرك جناحك ينحني قلبي

طير نسورك يفتحوا سكة سلام 

من كام سنة بحلم.

الحلم هنا عند الذات الشاعرة حلم مبهم، منكسر، يحتاج لمن يضمده ويبحث عنه، عن عالم جديد يتحقق فيه الأمان والاستقرار، عن القيم في عالم الضمير.

تجربة ماكرة

تجربة حنان عبد القادر هنا تجربة ليست خادعة لكنها ماكرة رغم بساطة بناء القصيدة، ماكرة لأنها تلعب على الوتر الإنساني، فمن منا لا يحزن؟، من منا لم يفقد حبيبا؟، لا يمتلك في يوم ما حلما مكسورا؟، من منا لم يبحث عن الضمير، الحلم، الأمل، الإنسان؟، من منا لا يشعر بالاغتراب ويظل يبحث عن نفسه؟ 

ققد كانت من الذكاء بحيث تأخذ تجربة إنسانية تتحدث عنها طوال خمس عشرة قصيدة، الوطن العاطفي الإنساني المليء بالحزن والألم والاغتراب والانكسار.

كما نجد في قصيدة: “شيء مقدر”، الذات الشاعرة تبحث عن الأمان، والأمان هنا في وجود الحبيب الرجل تقول:

شيء مقدر ياحبيبي

شط حبك يحتويني

ويناديني

أعشق الترحال سنين

والقى مرساي الأخير

 بين شطوط الليل، عينيك 

ضمني

خدني في رحلة عنيك المستحيلة

عيش معايا حلم بكرة بالأمان

واروي عمري بالحنان

شيء مقدر ياحبيبي.

نرى أنها عوضت موسيقا الشعر التقليدي هنا، وهو نص غير مقفى بروي يتكرر في غير موضع من القصيدة مثل: طير، كتير، الأخير/ أمان، حنان/ ربيعي، شموعي، ضلوعي.

وتعيش الذات الشاعرة في حزن دائم وهم مقيم، تقتلها الوحدة والشعور بالغربة، لذا في نص: “ليل الغربة”، نجدها تبحث عن الفرحة التي عبرت فتقول:

وكنت اتمنى يا غربة ألاقي الفرحة وعداني 

لقيت الحزن مستني وأنسك فات وعدَّاني

ياليل الغربة توهني أنا المحتاج لتوهانك

غريب والهم نادهني أدوق مرك وأشجانك  

المر، أشجان الحزن، ثيمة أساسية، وأعتقد أن ذلك سمة للشاعر الرومانتيكي منذ بداية الرومانتيكية، السمة الرومانتكية الحزينة المغلفة لهذا الديوان سمة شعراء الرومانتيكية رغم تنوع هندسة القصيدة العربية.

وفي قصيدة: “مخاصمينك”، نجد الحبيب هو الوطن، عادة لدى الشعراء الأم هي الوطن، الحبيبة هي الوطن، لكن أصبح الحبيب هنا هو الوطن عند حنان عبد القادر فتقول:

 مخاصمينك 

لإن احنا ومن غيرك

 بلا عنوان 

بلا ملمح يميزنا 

بلا أوطان

يا بر أمان 

مخاصمينك أنا وقلبي.

جملة بسيطة، والتركيبة الهندسية بسيطة، لكن المشكلة ليست في بساطة اللغة، إنما العبرة بالدلالة السياقية التي تمتلكها الشاعرة حنان عبد القادر بمهارة. 

ثم ننتقل لمنطقة أخرى، هناك قصائد كنت أتمنى أن يخرج الديوان بدونها هي قصائد المناسبات التي لا أدري لم أدرجتها الشاعرة هنا؟، فقد قللت من أريحية هذا الديوان من حيث اتساق العاطفة، إن المتلقي من بداية الديوان وحتى وصوله لتلك القصائد يسبح مع رقة العاطفة واتساقها وانسيابيتها، حتى أنها يمكن أن تسرق عبراته في غير مكان، فعند قراءتي للديوان شعرت أني أطير محلقا معها من إحساس لآخر في نشوة وشجن وحزن، حتى أنها استطاعت أن تنتزع عبراتي في بعضها، لأن المتلقي يشاركها في كل ما ذهبت إليه، لكنها صفعتني في النهاية بتلك القصائد فهويت من عالم الحلم والرومانتيكية إلى الأسفل، لذا كنت أتمنى ألا تضمنها الشاعرة ديوانها، وأنا ضد تضمين هذه القصائد ليس لضعفها ولكن لأنها أفسدت الروح العامة للديوان.

مفارقة الاكتمال

إن الذات الشاعرة في هذا الديوان تبحث عن ضوء، عن حلم، عن حرية، عن حبيب، وفي النهاية عن وطن يخرجها من ستائر الظلمة إلى عالم الحياة، لذا هذا البعد: الحلم المنكسر لدى حنان عبد القادر في هذا الديوان، جعل المعجم اللفظي يحمل ما يعرف “بالبارادوكس” أو المفارقة اللفظية أو المعجمية، وهذا ما سنوضحه تاليا.

هناك في هذا الديوان ما يعرف بالمفارقة، والمفارقة كمعنى متشعبة جدا، فهناك كتاب عن المفارقة في المكان لنجيب محفوظ، والمفارقة أيضا قد تكون في الزمان، والمفارقة في الإنسان، لكن ماذا عن المفارقة داخل المعجم اللفظي؟، هذا الديوان يحمل المفارقة المعجمية، فهو متوازن، ذات شاعرة حزينة متألمة منكسرة، وعلى الصعيد الآخر ذات ذكورية تحمل الخلاص، والمفارقة كما هو شائع تحمل الضد، ولكن المفارقة هنا تحمل الاكتمال، الذكر والأنثى، الخير والشر، الليل والنهار الأبيض والأسود، من الممكن أن يحمل ذلك المفارقة اللونية.

الصورة الشعرية

الاستعارات في صور حنان عبد القادر الشعرية في هذا الديوان جاءت على استحياء، فمن المعروف عن الشاعر الرومانسي أنه يعتمد على التشخيص، فيعتمد الاستعارة المكنية في صوره أكثر من غيرها، لكن الشاعرة اعتمدت على التركيب التشبيهي في معظم صورها، حيث بات التشبيه يمثل ركيزة في ديوان دندنة مما يعد ميزة له، وكل التشبيهات عبارة عن مجسد بمجسد وليس مجسد بمعنوي مما يسهل على المتلقي تخيل الصورة مثل: قلبك ربيعي، ابتسامك شمس عمري، قلبك شراعي وقلبي للأمان قارب، سنابل فجر… الخ.

قد يقول قائل إن حنان عبد القادر في ديوان دندنة قد وقعت في أخدود التقليدية من حيث استخدامها للتشبيه، لكن كما قلت إن ذلك يعد ميزة لهذا الديوان، وهذا لا يقلل أبدا من قيمته ولا قيمتها كشاعرة، لقد سعدت بهذا الديوان، وحلقت مع الشاعرة في غير مكان، لكن رغم سعادتي إلا أن الطباعة غير جيدة، وقد أوقعنا التأريخ لتلك النصوص في حيرة، فحينما أعتمد على التأريخ، لابد أن أراعي تسلسله حتى يتسنى لي رؤية تطور التجربة الشعرية.

وفي النهاية، سعدت بحنان عبد القادر الشاعرة التي تكتب العامية والفصحى، والقصة القصيرة أيضا والتي لها تجارب في أدب الطفل، وأرى أنها كما قال عنها أحمد فؤاد نجم: شاعرة مجنونة، تحمل في روحها وهجا شعريا، ومخزونا إبداعيا يحتاج منها لمزيد من الجهد في الفترات المقبلة.


حنان عبد القادر شاعرة وقاصّة وروائية وفنانة تشكيلية مصرية، عضو اتحاد الكتاب، عضو نقابة الصحافيين الكويتية واتحاد الصحافيين العالميين. حصلت على جائزة القصة القصيرة – اتحاد الكتاب العرب 2009، وجائزة د. حسن يعقوب العلي للكتابة المسرحية (مسرح الطفل) عام 2016. صدر لها: «لا تدعني أرتحل» – شعر 1999، «دندنة» – شعر بالعامية المصرية 2000 – «عدنان… عُدْ» – شعر 2001، «حدث ذات حلم» – قصص 2009- «أفئدة اليمام» – شعر 2014، «رفيف» – شعر 2015، «امنحني 9 كلمات» – كتاب مشترك- 2016، «صغير يعيد تشكيل وجه الحلم» – شعر بالعامية للأطفال 2008، «حكايا حنُّونة – البطة الملكية» – قصص للأطفال 2019.

الدكتور شريف الجيار ناقد أكاديمي ومترجم، حصل على شهادة باحث ما بعد الدكتوراه في النقد الأدبي والأدب المقارن، جامعة شيكاجو، الولايات المتحدة الأمريكية 2010. دكتوراه في النقد والأدب المقارن. كلية الآداب، جامعة عين شمس –2003. محكم في العديد من المسابقات الثقافية المصرية والعربية والدولية. يعمل حالياً أستاذ النقد والأدب المقارن بجامعة بني سويف، ورئيس قطاع النشر بهيئة الكتاب.له دراسات نقدية في العديد من الروايات المصرية والعربية ومن دراساته: «التداخل الثقافي في سرديات إحسان عبد القدوس»، «شعر إبراهيم ناجي دراسة أسلوبية بنائية»، «أثر ألف ليلة وليلة في السرد المصري المعاصر»، «السارد الإثنوجرافي في أدب جمال الغيطاني الروائي»

رأي واحد على “الحلم المنكسر ومفارقات الاكتمال – في ديوان «دندنة» للشاعرة حنان عبد القادر

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s