بكاء إسرائيل وعويل أميركا والغرب

بكاء إسرائيل وعويل أميركا والغرب

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد نصار

ماهر باكير دلاش

أقسى أنواع الوجع ذلك الذي يلامس الروح وتبقى غريبا حتى عن ذاتك تبحث عن منفى تنشد النسيان ليجد أن أسوأ تجربة يمر بها الإنسان هي أن يتعرض لسرقة نعم سرقة، سرقة ذاته وسرقة نفسه والأنكى سرقة ضميره، سواء في بلاده أو في خارجها، وقد تعرضت لذلك عدة مرات، ومع أني كنت أتجاهل تلك السرقة إلا أن الشعور بالضعف والوهن وموت الضمير أبى إلا أن يطفو على السطح بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر)!

كيف هو شعور الإنسان وهو يلمس رغبة قد عاشها سنينا؟ في أفريقيا نجد أبلغ درجات الدهشة وسط هذا الحفل الضخم الذي أزال الأقنعة وعرى الوجوه، ولا غرابة أن نجد إنسانًا حقيقيًا.. إن هذه الأيام تستدعي الكثير من الصمت، والكثير من البوح فاجتمع في افريقيا الضدان – الصمت والبوح – والعجب العجاب من ذلك الجمع! لن يفنى العالم بسبب قنبلة نووية كما تقول الصحف، بل بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة التي ستحوّل الواقع إلى نكتة سخيفة.. (كارلوس زافون) مقولات جمة تحدد سلوك العالم مما يؤكد أن معرفة ما يدور في كواليس الدول العظمى دائما تأتي من حيث نسيجها – شهوة السلطة والعيش على حساب المطحونين – والنتيجة باستمرار هي مواقف متصارعة.

بالأمس، كنا نتخيل الجيش الذي لا يقهر يتوعد العالم والفلسطينيين حتى العرب وافريقيا بما كنا نعتقد أنه سيكون عملا عسكريا نوعيا أو ضربات نووية دقيقة التوجيه أو هجمات إلكترونية معقدة، واليوم نرى عكس ذلك؛ فيبشر القسام بقرب مرماه وبساطة تنفيذه: “لست بحاجة إلى ترسانة عسكرية ضخمة لإسقاطه؛ يكفي أن تحرر النفس من خوفها وخنوعها والهيمنة الامبريالية الصهيونية كي تنهار تلقائيا” وكما حدث في دول افريقيا (مالي، الغابون، الكونغو، النيجر…) وعودا الى بلد المليون ونصف شهيد “الجزائر” كلها تخلصت من حب الذات وتمسكوا بحب الأرض والعرض كل بعقيدته الراسخة وحسب رؤيته، والآن مرورا بالفلسطينيين، ولكن الاختلاف الجوهري بين الشعب الجزائري المناضل ومعهم الفلسطينيين من جهة وشعوب افريقيا من جهة أخرى أنه في افريقيا كان معظم الناس يتجاهلون في العادة الأسئلة حول معنى حياتهم، ويفضلون الفرار إلى نوع من الروتين المدمن للعقل تاركين مصيرهم تحت رحمة الكبار او للمجهول، بعكس الشعبين الجزائري والفلسطيني الذين لم يتجاهلوا الأسئلة عن معنى حياتهم وفرض الجهاد والسبب بكل بساطة هو العقيدة الإسلامية والسلوك القويم، يستقون معنى الحياة من كتابهم العظيم “القرآن الكريم”.

لا يستطيع أحد أن يكون لديه ما يبرر القول “أنا بطبيعتي شخصٌ كسول” ذلك لأنه اختار أن يكون كسولاً أو منوما من الآخرين مقابل كسرة خبز أو شربة ماء، وهذا بالضبط ما حصل في الحقب السابقة في افريقيا.، مقتنع تماما أن تجارب الإنسان لا يمكن لها أن تغير من طبيعته، أعلم أن كثيركم يخالفونني الرأي وأنا أيضًا في قرارة نفسي اتفق معكم، لكن الأفارقة – أخيرا – نهضوا من سباتهم واتجهوا شرقا، فخمد الغرب متمثلا في فرنسا صاحبة النفوذ الأكبر في دول القرن الافريقي واستيقاظ الدب الروسي من سباته!

مشهد سوداوي قاتم، ومزاج سوداويّ قائم في داخلي حتى قبل أن أجد له سببًا، أو على الأقل قبل أن أعرف كيف أُعبّر عنه، فمنذ طفولتي وعلى امتداد سنين عمري وأنا أتخيل مقولة جولدا مائير “ادعموا الأقليات في افريقيا” وها هي نظريتها تتحقق، صراع دائم دموي لا يتوقف في السودان، وتناحر دون هدف إلا في خدمة الغرب! أما في فلسطين؛ فهناك مشهد سوداوي أكثر قتامة، اجتمعت دول العالم الكبرى على حركة في قطاع صغير والسبب فقط أنهم يطالبون بأرضهم وحماية عرضهم، والأهم قولهم لا إله الا الله محمد رسول الله.

في مراحل دراستي كنت في بداية كل عام دراسي أنحّي جميع الكتب جانبًا لدى استلامها إلا من كتب التاريخ، تاريخ العروبة المجيدة وتاريخ الإسلام الأغر، لأكتشف الآن التيه الذي كنت أعيشه، كنت أفتحُ الكتاب وأتصفّحه على نحوٍ سريع ثم أبحث في داخله عن أشد القصائد تعاسةً وخاصةً تلك التي يطغى عليها الطابع الوجداني بشكله الأليم.. مع كل هذا كنت ميالًا شديد التأثّر بشكل لا يصدّق بما هو صادق بالنسبة لي، فقد انجذبتُ بدون أي تردّد أو مقاومة للعديد من النصوص؛ التاريخ الذي رمى دهره بقلبه سهم النوى فرجى ربّه أن يكوي السهم كما كوى قلبه، المريض الذي شبّه حُمّاه بواقع ذلت له المطارف والحشايا فعافته وباتت في عظامه واستغرب وصولها إليه من بين زحام أهوال دهره ومصائبه.. من الغباء أن ننْقص من قيمة الأشياء، ومن الغباء الأكبر أن نعطي الأشياء قيمة أكبر بكثير مما هي عليه، وكان الغباء في تجاهل قدرات القسام في غزة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.