الهروب من الحقيقة

الهروب من الحقيقة

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنان السوري إسماعيل أبو ترابة

عادت معه إلى البيت ووجدت حجرتي نوم فحزنت وسعدت في نفس الوقت، حزنت على حياة بترت قبل أن تبدأ، وسعدت لأنها سترتاح من جلد نظراته إليها ولو مؤقتا، ريثما يجدا حلا لهذه الحالة!

وضع زوجها بعض الطعام وبعض العصائر إلى جانبها وخرج إلى الغرفة المجاورة، أما هي فقد عادت إليه إلى خالد.. كانا يقضيان معظم أوقات النهار في الغرفة الصغيرة تحت شجرة الصفصاف بعد غلقها بالمزلاج من الداخل، وعندما كانا يسمعان صوت أية حركة ينزلان إلى الحجرة تحت النفق. أما في الليل فكانا يمضيان الوقت في البيت تحت جنح الظلام، وكانا في كل يوم يزدادا تقربا من بعضهما، ويزداد الأنس بينهما أكثر ولم يكن باستطاعة أحدهما أن يبتعد عن الآخر. 

كانت صحته تتحسن رويدا رويدا، وأصبح الحديث بينهما له شكل مختلف وله طعم آخر، فيه كم من الود والحب والألفة والأنس.. قالت له: ذات مرة تخيل أن نبقى هكذا لشهر آخر فتنضب المؤونة، وتفرغ أنبوبة الغاز، وينفذ الخبز الذي قدده أبي من أجل حالات الحصار، ولا كهرباء ولا جوالات عندها ماذا سنفعل؟ حدق فيها طويلاً وقال: أتدرين بأنني أخذت نصيبي من الحياة بقربك، عندها لا بأس بأي شيء يحدث. 

شعرت بارتباك من نظراته وكلماته وفكرت في نفسها.. لعله يشعر بما أشعر به، ولم تفصح ولم يفصح، ولماذا الإفصاح طالما أنهما ينتظران الموت جوعاً أو قتلا؟ وفعلا كان كل شيء على وشك الانتهاء، الغاز والخبز ولم يعد بالإمكان المكوث بالبيت، فيجب أخذ الاحتياطات والبحث عن بدائل وقرر أن يخرج من النفق من الجهة الأخرى ليستطلع المكان والطريق فربما استطاعا أن يتسللا ليلاً إلى مكان أكثر أمنا ويوجد فيه متطلبات الحياة. غاب وجلست تنتظره وقد طال غيابه وكانت قلقة عليه أكثر من قلقها أن تبقى في هذا المكان الموحش وحدها، أما هو فقد أصر رغم كل شيء على أن يعود إليها بعد أن رآه أحد المسلحين، فكان يركض ويختبئ ثم يركض ويختبئ إلى أن أنهك، وعند جنوح الليل قدم إليها بحالة يرثى لها فبعض الجروح عادت لتنزف من جديد فأعدت له ضمادات ودثرته، ورغم هذا كان يشعر بالبرد. كان يرتجف ويتصبب عرقا، وضعت رأسه في حجرها وانحنت عليه ودفنت رأسها في صدره لكنه كان يزداد ارتجافا وتعرقا وكانت تشعر بأنها تحتضن كل حنين البشر بيديها، وقلبها يتوسع ليحتضنه، وتتحرك العواطف في داخلها كمرجل، فتارة تخاف وأخرى تتشجع تارة ترتجف وتارة تكون ثابتة وتكون حائرة ومتوجسة ولا مبالية عاشقة ومتألمة، محبة له كارهة نفسها كل المشاعر كل المتناقضات كانت تلتهما، فتوقفت عن كل هذا وفكرت كيف تنقذه فلم يكن لديها حل إلا أن تنام معه في الفراش ليشعر بالدفء، وبعد ذلك استقرت حالته استفاق ووجدها إلى جواره أبتعد قليلا ليستوعب الذي هو فيه ثم قام بضمها إليه بشدة وبادلته الضم، وحدث بينهما الذي كانا يهربان من حدوثه قرابة شهر ونصف، ومكثا نصف شهر آخر قبل أن تأتي القوات المساعدة ويتم تحرير المنطقة بالكامل، فخرجا من البيت، هي ذهبت إلى دار السيدة وهو التحق بمكان عمله بعد أن قال لها أنا سأتدبر أمري وأعود إليك، وإذا لم أعد خلال أسبوع فأيقني بموتي.

فكرت أنعام في نفسها لم تأتيها هذه الذكرى المؤلمة بعد ثلاث سنوات من مضيها؟ وما شأن هذه الذكرى بالذي هي فيه الآن؟ وفكرت من جديد ربما السبب يكون بأن هذه الذكرى تعود لتجربتها الأولى والتي كانت الأكثر إيلاما، وفيها قد تحول السلوك إلى عادة، وباتت تتذكر كل من مر في حياتها لعلها تستطيع تحديد والد الطفل، لكن عبثا فهم كثر، وقد حملت رغم كل الاحتياطات التي قامت بها، أيكون الكوى؟ أم صبي البقال، ام ذاك الذي سهرت معه في بيته؟ ام الذي قدم عندها ومكث أسبوعا في غرفتها مدعية أمام صاحبة الدار بأنه أخوها؟. أم.. أم.. وفكرت: لعلي اسرفت على نفسي.

***

كان زوجها يستيقظ كل صباح يعد فنجاني قهوة يشرب واحدا ويترك الآخر على طاولة المطبخ ولا يعود إلا في المساء، وكان يحضر كل متطلبات البيت وكان كل يوم يقوم بإصلاح جديد في البيت، يضع نافذة هنا وبابا هناك ويزيد من مقتنيات البيت ولا يتبادلان الكلام إلا الضروري منه، تصنع له الطعام الشهي وتضعه فلا يدعوها لتناوله معه ولا هي تجلس على مائدة الطعام. أما عندما يكون خارج البيت يشتاق لها ويسطر كلاما ينوي أن يقوله لها، وهي كذلك الأمر تود قول كل شيء حتى وإن لم يسألها. وما إن يعود إلى البيت وتستقبله يسبقها بروز بطنها والذي يزداد انتفاخأ غير آبه بكليهما، حتى يحجم عن كل الكلام مفكراً.. من هو والد هذا الطفل؟ وكيف سيضمه إلى دفتره؟ وهو لم يقرب أمه بعد! وما إن ترى نظراته حتى تحجم هي أيضاً وتنسحب مبتعدة عنه وعن نظراته.

***

عندما أصابته الحمى لازمته طوال مرضه، جالسة على الكرسي قبالته كانت تتحرق شوقا وألما وتتذكر خالدا بحسرة. كانت تعتني به محبة لا واجبا وقبل استيقاظه كانت تنسحب إلى مخدعها، ظنا منها أنه لا يعلم بمكوثها طوال الليل إلى جانبه. لم تشأ أن يراها لشعورها أنه لن يكمل معها هذه الحياة ومعه حق, وهي أيضا لا تريد أن تكملها إذا كانت على هذه الشاكلة، وليس معها أي حق للمطالبة بغير هذه الحياة، ولذلك كانت حالتها النفسية تزداد سوءاً وكذلك حالتها الجسدية فهي لم تراجع أي طبيب منذ خروجها آخر مرة من المشفى. فهي لم تطلب منه أن يصطحبها وهو لم يقترح عليها أن يصحبها إلى أي طبيب للاطمئنان على صحتها وصحة الجنين، فكانت تمرض وتشفى دون أن تتكلم ودون أن يعرف. إلى أن عاد في إحدى الليالي، ووجدها متعبة ومجهدة، فسألها عما بها وعندما اخبرته، أنها علامة من علامات وضع الحمل والولادة، ثارت ثائرته وصرخ قائلا: هل أذهب بك إلى المشفى، وأقول للناس باركوا لي زوجتي جبارة وضعت جنينا بعد خمسة شهور من زواجنا، وهل تظني بأنني أسميه وأكتبه في دفتري وعلى اسمي، وعلت وتيرة صوته وقال: عندما تلدي اخرجي من هنا أنت وهو وابحثي له عن أب غيري لأنك من المؤكد لن تعرفي أباه.. صمت قليلا ثم قال: انتظري هنا وسأحضر طبيبة إلى البيت. بعد نصف ساعة أحضر طبيبة من منطقة بعيدة لا تعرف عنهم أي شيء. قامت الطبيبة بعملها وعند الانتهاء أعطاها أجرا واوصلها إلى بيتها على أن يحضرها كلما دعت الضرورة. أحضر لوازم الطفل وبعض العصائر والطعام والأدوية التي أوصت بها الطبيبة. عند دخوله للبيت كان قلبه يخفق بشدة وازداد خفقانه عندما سمع نحيبها حتى خيل له إنها سمعت خفقان قلبه، أما هي فقد كتمت صوت نواحها عندما سمعت صوت خطواته وباتت ترتجف والعرق يتصبب منها بشدة.. بعد ثلاثة أيام تحاملت على جراحها ومرضها وحاولت النهوض لإعداد الطعام، لكنه منعها من النهوض وقال لها: لازمي الفراش والدواء وأنا أقوم بأعباء البيت. ولزم البيت لمدة أسبوع لا يخرج منه إلا للضرورة أو لنقل لازمها طوال فترة مرضها وبقي إلى جانبها حتى تنام وبعدها ينسحب إلى فراشه الخالي إلا من وسادة. مفكرا في نفسه ما المخرج من هذا المأزق؟ فالأمر يزداد سوءا بمرور الزمن على عكس أية أزمة من أزمات الحياة.

رأي واحد على “الهروب من الحقيقة

اترك تعليقًا على maherdallash إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.