الصورة: مدينة ديربنت أواخر القرن السابع عشر. رسم لجاكوب بيترز، عام 1690
ترجمة صالح الرزوق

تعتبر إسطنبول مدينة غنية بالمتاحف التي تحولت إلى محطات استراحة طبيعية، لكن “ديربنت” واحة غناء تتخللها المتاحف. تأسست المدينة في العهد الأخميني (550 – 330 ق.م.)، وهي واحدة من أقدم الأماكن المأهولة في العالم، وموطن الشعب الشهير باسم غوغ وميغوغ (يأجوج ومأجوج بلغة القرآن)، وهم وحوش يعتقد المسلمون واليهود والمسيحيون أنهم إشارة على يوم القيامة. حملت المدينة اسم “ديربند” يوم تأسيسها على يد الحكام الفرس، ومعناه البوابة المغلقة (دير تعني بوابة، وبند تعني مغلق). ثم أطلق عليها الأتراك اسم ديربنت، وهكذا ظهرت في الخريطة الأوروبية. ويوم استولى عليها العرب، في العصر الوسيط، سموها “باب الأبواب”. وفي وقت لاحق استعادت اسمها التركي. وتوجد إشارات لها في الإنجيل والقرآن، ولذلك تحتل مكانة مركزية في التاريخ الإسلامي والأوروبي. كما أنها مذكورة في أهم مؤلفات الجغرافيين العرب، وهو “كتاب روجر” للإدريسي، والمعروف بالعربية بعنوان “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”. وقد استفاد كاتبه من ثقافة النورمان الذين تقاسموا صقلية مع العرب في القرن الثاني عشر. ومن المفيد أن نذكر أن بعض الجغرافيين لم يزوروا المنطقة، ولكن أخذوا معلوماتهم من الأساطير والروايات الشفهية، ومن هؤلاء الإدريسي. وكل مظاهر ديربنت، ومنها الجدران، تؤكد على عراقتها. وكما ورد في أحد المصادر “تتوفر مراجع مكتوبة تشهد على تلقي وجوه داغستان علومهم في بغداد حينما كانت تحت حكم السلاجقة”. وفي مقدمتهم الباحث حكيم الخلنقي الدارباندي (الذي درس الشريعة الإسلامية مع الغزالي، ثم عاش بقية حياته في بخارى، حيث مات عام 1143). وفي بواكير القرن العشرين “انتشر الأدب العربي في داغستان على نطاق واسع” غير أنه تبخر حاليا. “ولم يعد يعرف أحد، إلا بصعوبة، مصير المخطوطات والوثائق والصور التي نجت من الهلاك. ويصعب أن ترى من لديه أخبار عنها سواء في الاتحاد الروسي أو جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق”. وعلى وجه الإجمال تحولت الثقافة العربية، والأدب بشكل خاص، إلى أنقاض وأطلال وخرائب كما هو حال كل أبنية داغستان العائدة للعصر القروسطي وذات الطابع الإسلامي. وفي القرون التالية حمل الرحالة المسلمون والأوربيون معهم صورا لمدينة ديربنت. وتراها عبارة عن مناظر طبيعية لقمم وسفوح الألب ومشاهد العمران. وحفظت لنا الموسوعة الفرنسية “تروسيت” واحدة من تلك الصور. حيث الشوارع والأبراج في المقدمة، وخلفها مساحة واسعة تحتلها الجبال. ويقدم هذا التصوير، كما هو الحال في غيره، ديربنت، وكأنها نقطة علام في منظر طبيعي، وليس مجرد فضاء حضري. وتبدو مناظر داغستان في الرسوم التاريخية بعكس مشاهد الخرابات والأطلال التي تعم ديربنت. علما أن بناء جدرانها ومسجدها المخصص لصلاة الجمعة تم قبل الغزو الساساني وما ترتب عليه من دمار. ومع أنهم لم ينجحوا بالسيطرة على هذه الأراضي البكر، تركوا خلفهم على الجدران النقوش البهلوية، واكتشفها المستشرقون بعد ما يزيد على ألف عام وحرصوا على توثيقها (وتفاصيل ذلك مذكورة في مقالة خانيكوف المنشورة في المجلة الآسيوية عام 1862).
وإذا كانت الحياة الحضرية تقوم على كل شيء جديد، تترك الخرابات آثارا مصنعة. وهذان الأمران متعارضان. وما يدعو للاستغراب أنهما يتلازمان بالظهور في أجواء الحداثة بعد الاستعمارية. فإسطنبول تحتضن العمران ولكن متاحفها منازل للماضي الميت. وبالمقارنة مع ديربنت، بمناظرها التي تشمل المتاحف، غالبا ما نلاحظ أنها مختزلة إلى ماض من بعد واحد. وإعادة إنتاجها من خلال الآثار فرض عليها أن تستسلم لتمثيلات الحداثة. أضف إلى ذلك، وهذا متوقع، أن الاهتمام بآثار ديربنت يبدو غالبا وكأنه ليس إلا واجهة ذات هدف واحد، هو توفير التمويل (ومن الملاحظ أن اتجاه حركة السيولة المالية في الحداثة الكولونيالية يكون باتجاه الغرب). وقد وضعت اليونسكو ديربنت في قائمة المواقع الأثرية العالمية، ولكن لا يوجد سوى عمليات تنقيب محدودة بحثا عن جدرانها لتوثيق مخلفات التاريخ. وحاليا لا تخلو مدرجات ديربنت من النفايات والرسومات والقشور. مثلا ترى واقية ذكورية تتدلى من صخرة، وفوقها علم يرفرف بهدوء مع نسمات الهواء. وعلى شاطئ غير بعيد من بحر قزوين المغطى بالزيوت يعرض السكان المحليون العراة أنفسهم لأشعة الشمس. وبعد الشاطئ بمسافة محدودة يقف بناء آخر يحمل اسم “تاج محل”، وهو اسم ساخر، يؤكد القطيعة بين ماضي المدينة وحاضرها. ولذلك يصعب أن تعتقد أن الأزمنة التي تتجاور فيها تنتمي لمكان واحد. وهي بهذا المضمار مختلفة عن القدس وإسطنبول. وسبب هذا الاختلاف، على الأقل، هو أسلوب الإدارة الكولونيالي الذي عانت منه ديربنت. كما أن أسوارها مليئة بالثقوب والشقوق، ولا يوجد حراس يحرصون على نظافتها. وبالعكس مما يمكن أن تتوقع من مدينة لها طابع سياحي، معظم متاحف المدينة القديمة مغلقة على الدوام بحجة الصيانة، وهذا ينطبق على متحف تاريخ ديربنت ومتحف بيستوجيف مارلينسكي، والذي يحمل اسم الروائي الروسي الذي ساعد في تعويم شهرة شمال شرق القوقاز، وذلك في سردياته عن المقاتلين المسلمين والصبايا الأسيرات.
وبالحكم على ديربنت من خلال أماكن الاستجمام المجهزة لفصل الصيف، يبدو أنه من الأفضل للمرء أن يعرض جسمه لأقواس قزح المتجمعة على البحر وأن لا ينتظر كارافانات الحداثة المحملة بالكاميرات. وقد وجهت الولايات المتحدة بانتظام عدة تحذيرات للمواطنين الأمريكيين كي يتوقفوا عن السفر إلى داغستان. وتعد ديربنت بنظر وزارة الداخلية الأمريكية موطنا للإرهابيين. وهي في الوقت الراهن امتداد للمياه الروسية، وأي محاولة للعودة إلى أو إحياء جوها الكوزموبوليتاني الذي كان سائدا قبل دخول المستعمر، يعتبر خيانة ضد الدولة. وبموت السياحة لا يبقى لها غير جوها الشرقي الغامض المسكون بالرعب.
ريبيكا روث غولد أكاديمية وشاعرة أمريكية مقيمة في لندن

