مصائر الأقدار

مصائر الأقدار

اللوحة: الفنان الإسباني إجناسيو زولواغا وزاباليتا

خمسيني أبيض الشعر، أنيق الملبس، يرتدي نظارة طبية سوداء تليق بوجهه البيضاوي، يتأبط الجريدة التي يواظب على شرائها كل يوم، لا تفارقه ابتسامته الهادئة للحسناء التي تطل من شرفة الدور الثالث في البناية القديمة أول الحارة، بعد أن عرفت موعد عودته كل يوم، ما أن يراها حتى تتسع ابتسامته، تبادله الابتسام ثم تغلق النافذة، لتصله رسالتها أنها لا تفتح النافذة إلا له، وتغلقها بعد مروره.

أرمل لديه ابنة متزوجة، ترعى شئونه بين الحين والآخر، الحسناء ترى فيه زوج المستقبل، تشجعها ابتسامته التي تتسع كلما رآها، مطلقة بعد زواج عصفت به ريح عاتية، تجمعت في أفقه سحب سوداء، بعد تدخل أم الزوج في تفاصيل التفاصيل، وأشارت لابنها بطلاقها وطلقت، تقاربه في السن أو أقل قليلا، لديها ابنة في حضانة والدها، توقفت عند الثانوية العامة، تفرقت بهم السبل والحياة، استطاعت ابنته الحصول على رقم هاتفها، من صديقة لها في نفس البناية.. حدثها وطلب مقابلتها أثناء احتساءهما القهوة في إحدى الكافيهات، اكتشفا أن كل منهما عرف الآخر قبل أن يلتقيا، رحبت بطلبه الزواج منها.. تعددت اللقاءات.. وهبته فيض من السعادة لقلبه الممتن، الذي يعيش وحشة الوحدة. 

في كل لقاء يصطبغ خداها بحمرة قانية، كلون الشفق عند الفجر، وكأنه حبها الأول، في قلب كل منهما تفجر ينبوع حياة لا ينضب. 

تعلمنا في علوم الحساب أن الساعة تساوي ستون دقيقة، لكنها بقرب الحبيب تساوى العمر كله، تنتظرهما ليال دافئة موشاة بعبق الورد، لطمتهما الأقدار لطمة قوية، مثل نسر مفترس يحط مختطفا مصائرنا وقتما يريد، استشاط غضبا والد الطفلة حين علم أن مطلقته ستتزوج، راقت في عينيه بعد أن لفظها مقررا استعادتها، بعد أن ترك مهمة إعادتها لابنته التي توسلت لأمها بالدموع، أن تعود من أجلها، خاصة وقد توفيت الحماة منذ عام، والتي كانت سببا في الطلاق، الأم ضعفت أمام دموع الابنة المحتاجة لأحضانها، التضحية الأكبر كانت في وأد حبها وزوج انتظرته سنوات وسنوات، استسلمت وعادت، وبقيت قهقهات القدر في عودة المطلقة لزوجها، والخمسيني لغربته، يشربا الوجع في مصائر الأقدار المدهشة مع القهوة المرة كل صباح.

اترك رد