اللوحة: من أعمال الكاتب
قصة من خيال الواقع من ثلاثة فصول
الفصل الثاني
استيقظ جبر العايش من نومه مذعورا على صراخ زوجته وهي تناديه:
(انهض يا رجل لقد مضى على حالتك هذه عدة أيام وأنت معتكف في البيت! قل لي ماذا تشعر هل أنك مريض؟
رد عليها زوجها: لست مريضا أن أمرا قد جدث لي وشغل بالي.
عادت زوجته لتقول له: لقد لاحظت ذلك منذ أن رجعت آخر مرة إلى بيتك’ قل لي ما هو هذا الأمر الذي شغل بالك؟
قال جبر:( ليس الآن سأبين لك ذلك في وقت آخر.)
غادر جبر داره بعد أن تأكد له بأن الصوت الأجش لم يعد يرن عليه ولم يعاود الاتصال.
سلك جبر نفس الطريق التي اعتاد أن يسلكها للذهاب إلى عمله. الطريق التي تؤدي إلى وسط المدينة حيث الساحة العامة تلك الساحة التي كثيرا ما شهدت تجمع أعداد غفيرة من الناس وخلال مناسبات مختلفة منها مفرحة ومنها محزنة والجدير بالذكر إن عدد أيام الحزن التي تشهدها الساحة هي أكثر بكثير مقارنة بأيام الفرح!!
ما أن وصل جبر إلى تلك الساحة حتى اجتاحته حالة من الاستغراب! عندما وجد أن الساحة خالية من الناس بعكس ما كان يجدها في مثل هذا الوقت المبكر من النهار حيث يكون الازدحام على أشده وتتعالى أصوات الباعة وضجيج العجلات فيها.
أمضى جبر وقتا في الساحة عله يعثر على واحد من المارة كي يسأله عن سبب هذه الحالة الغريبة!
لمح جبر عن بعد أحد الأشخاص متجها نحوه:
قال جبر محدثا نفسه: قد يكون سر هذه الحالة لديه فأسأله وليطمئن بالي.
أقترب الرجل منه وعندما أصبح بمحاذاته بادره بالسؤال قائلا:
(لو سمحت يا أخي هل يمكنني أن أطرح عليك سؤلا)؟
أجابه الرجل: (بكل رحابة صدر يا صديقي سل عما بدا لك.)
وأرف قائلا: (عجيب ألا تعرفني يا جبر!؟)
تطلع جبر في وجه الرجل مستغربا فقد بدا له غريبا! قائلا له معذرة من تكون أنت؟
ضحك الرجل وقال: هل نسيتني يا جبر أنا زميلك في العمل أنا غركان؟
تطلع جبر بوجه غركان وأخذ يدقق بمعالمه عله يتذكره لكنه لم يتوصل إلى نتيجة، وفضل أن يعرف منه أولا سبب خلو ساحة المدينة من الناس في هذا الصباح الباكر.
لقد دار بخلد جبر أن يبين لغركان سبب عدم تذكره وعندها قال له:
بكل أسف فقد تخونني الذاكرة بسبب أحداث صعبة ورهيبة مررت فيها تركت أثرا في نفسي وجعلت أفكاري مشتتة وخاصة بعد حادثة (المسلخ العمومي) وعلك قد سمعت عنها أنت أيضا.
عندها صرخ غركان: (كمن أصيب بمس من الجنون)
يا صاحبي أنا أحد ضحايا المسلخ العمومي وكان معي عديد من الناس دخلوا إلى ذلك المكان الرهيب أفواجا لا يمكنني أن أتذكر عددهم ثم أردف قائلا أنت ذكرت (المسلخ العمومي) وهل كنت هناك أيضا؟
قال جبر نعم كنت قد دخلت اليه لكنني نفذت بجلدي وتركت المسلخ هاربا عندما بدأت عملية سلخ الأجساد حيث إنني لم أخلع ملابسي ولم اتعر عند سماعي أمر صاحب الصوت الأجش وعليه لا أعرف ما لذي جرى من بعدي؟
قال غركان: هنالك في الركن مسطبة لنذهب ونجلس عليها وسأقص عليك ما جرى بالتفاصيل. بدأ غركان يسرد ما دار في ذلك المكان الرهيب قائلا: الغريب إن أعدادا غفيرة أخذت تتدفق داخل المكان وذلك بفعل الدعوات والشعارات المغرية التي كانت تتطلق من مكبرات صوت تم نصبها فوق سطح المسلخ تدعو الناس للقدوم إلى المسلخ لينالوا حصتهم!!
عندما كان غركان يتحدث يصاحب كلامه صفير أشبه بصفير البلبل بسبب عدم وجود أثر لشفتيه كما أن جبر قد لاحظ تغيرا كبيرا قد طرأ على وجه غركان بحيث لم يتمكن من معرفته للآن ,حيث بدا خاليا من أي أثر للشعر فقد أختفى من رأسه وحاجبيه وأهدابه وذقنه وشاربه والناظر اليه يظن أنه مصاب بمرض السرطان وأخذ جرعات من العلاج الكيمياوي!
شعر غركان أن جبر ينظر إلى وجهه باستغراب عندها قال له: لا تستغرب يا صاحبي مما تراه سابين لك ما حدث لي ولكل من بقي مدة طويلة في ذلك المسلخ المشؤوم.
خلال حديثهما مر واحد من الأشخاص من أمامهما عندها أصيب جبر بالذهول مما شاهده فقد وجد أن شكل الرجل الذي مر من امامهم يشبه بالضبط نفس وجه غركان!!
لم يدم استغراب جبر فترة طويلة حتى مر أمامه اثنان وثلاثة وأربعة اشخاص ثم تضاعف عددهم وكان الجميع متشابهين وبنفس الوجوه والقسمات!!
انتبه جبر لحركة عيني غركان فوجدهما اشبه بالبلور جامدة الجفون كما أن هذا الشيء ينطبق على الآخرين أيضا من الذين مروا أمامه!!
قال جبر في قرارة نفسه: عجبا كيف حصل هذا التشابه وما هي الإجراءات والعمليات التي قامت فيها جماعة الصوت الأجش ليظهر كل هؤلاء الناس متشابهي وبوجه واحد؟
شعر غركان بحيرة واستغراب صاحبه فقال له من أجل أن يخرجه من حيرته:
قلت لك أنني سأروي لك كل ما جرى وحدث في ذلك المسلخ وبما أنك قد تركته فبل أن يقع ما وقع لنا ثم أخذ يسرد عليه تلك الأحداث المثيرة!:
بعد أن أكملت الماكنة سلخ جلودنا وتم تعليقها بالخطافات أصدر ذو الصوت الأجش أمرا جديدا لا يختلف غرابة ورهبة عن سابقاته من الأوامر!!
وهو:(على جميع المسلوخة جلودهم أن يتجهوا صوب الاحواض والدخول فيها) كانت تلك الاحواض تحمل عبارة (حوض التطهير والانتماء!)
باشر المسلحون والمقنعة وجوههم بأخذنا واحدا تلو الآخر إلى تلك الأحواض والتي أطلق عليها التطهير والانتماء!
وعندها وقبل أن يكمل غركان حديثه بدا الاعياء والارهاق واضحا عليه فطلب من صاحبه أن يمهله بعض الوقت لضضضضضضيرتشف جرعة من ماء قنينة كان يحملها معه لأنه شعر بالدوار بسبب تذكر تلك المواقف الرهيبة التي مر فيها ووعده أنه سيكمل ما جرى له ولغيره في المسلخ العمومي بالتفاصيل وفي وقت لاحق.
