اللوحة: الفنانة الإنجليزية بريدجيت تيتشينور
في مسرحية «مدرسة المشاغبين»، أمرت المُعَلمة «الأباصيري»، أنْ يقف فازداد حرجا وارتباكا وغمرته الإهانة فقال: أربعتاشر سنة خدمة في ثانوي وبتقولي أقف؟
كان الأباصيري وزملاؤه يريدون أنْ يتخرجوا من الثانوية العامة بالأقدمية، لكن التخرج بالأقدمية مستحيل في عالم الدراسة، والخروج من التخلف بالأقدمية مستحيل في عالم الواقع، والمال قد يُفَبْرك وثيقة طبيب مزيفة وقد يعطي الدول المتخلفة مظهر حداثة، ولكن، لن يستطيع الطبيب أن يُوَفَّق إلى تشخيص ودواء ناجح، ولن تستطيع الدولة المتخلفة التحديث الحقيقي.
الحل المنطقي، أن يراجع «الأباصيري» أفكاره، ولكن هل هذا سهل عليه؟ كلنا «الأباصيري»، وكلنا يشعر بالتأخر عن العالم، وتغمرنا الإهانة، ونتمنى أن نُغْمض أعيننا ثم نفتحها فيتغير الحال، ولكن ما حك جلدك مثل ظفرك، لا بد من التفتيش في أفكارنا واختيار أفكار تصلح للحاضر.
***
في فيلم «بيتون بليس – peyton place»، عرضت إدارة المدرسة على المدير مرتب صغير، فجرى هذا الحوار:
المدير: أنت تملك هذا المصنع.. كم تدفع لكبير الملاحظين؟ أنت تدفع 200 دولار أسبوعيا، في حين تدفع لمدير المدرسة مبلغ صغير.
رئيس المجلس: هذا عمل تجاري (بزنس)، هؤلاء الرجال يصنعون منتجا يجلب أموالا، يجب أن تكون عمليا وتواجه الحقائق.
المدير: بالنسبة للناس أمثالك، التعليم شر لا بد منه، لا يمكنك أن تراه، ولهذا هو لا يساوي شيئا، ولكن، «الأشياء التي لا يمكن رؤيتها هي أكثر الأشياء أهمية على هذه الأرض، يطلقون عليها أفكار».
في هذا الحوار ندرك أنَّ المصنع يُنفق على المدرسة، ولكن المصنع ابن الفكرة، فالفكرة تسبق إنشاء الأشياء في الواقع، والأفكار شيء معنوي خطير، «نافعة أو ضارة – حية أو ميتة أو مميتة»، ولهذا لا بد من التفتيش في الأفكار أولا ودائما.
هناك أفكار تحملها الشعوب وهي سر سعادتها وتقدمها، وهناك أفكار هي سر شقائها وتخلفها ولكنها تتمسك بها وتظن أنها نافعة وربما مقدسة.
***
في غرفة العمليات وقف الأب ليشهد العملية الجراحية لولده، يُمسك الجراح بالمشرط، والممرضات يناولنه الأدوات الحادة، وكلما همَّ ببسط يده ليبدأ عمله، شَهَقَ الأب وصرخ وانتفض وارتعش ولم يتمالك نفسه عن الإمساك بخناق الجراح، ونظرا لأن خروج الأب من غرفة العمليات لا يمكن إلا بعد الانتهاء من العملية، اضطر الجراح لإجراء العمليتين معا، عملية الجراحة للولد وهي سهلة، وعملية التحمل العصبي والجسدي والنفسي للأب الفَزِع.
لو حكيت تلك القصة للناس لأجمعوا على خطأ تواجد الأب أثناء العملية، وأنه عليه أن يثق بالجراح، فأغلب الناس يؤمنون بقانون (أعطي العيش لخبازه)، وأنَّ لكل منا تخصصه وخبرته وموهبته، ولكن لا يؤمنون بنفس المبدأ مع الأفكار الموروثة، فلكل أفكار موروثة حرَّاس للمعبد، ولكل حامل فكر موروث ثقة مطلقة في الفكرة التي يحملها، وآلية دفاع ذاتي لمواجهة من يقترب بالمراجعة أو النقد، ويصبح في حالة هذا الأب الفَزِع الذي يشهد عملية جراحية لابنه، ولكن هل يمكن تحصين الأفكار من الاختبار والعيش بها طوال الحياة؟ وهل كل فكرة تصلح لكل زمان ومكان؟
الأفكار المرْهِقة والمنتهية الصلاحية ورم ولا بد أن يُستأصل ويخضع للجراحة.
***
في لقاء تليفزيوني مع المفكر «حسين أمين» ابن الأديب الشهير «أحمد أمين» قال: «عندما كنت في ألمانيا، سألت مدير الجامعة عن السبب في أنَّ بناتي لا يدرسن قصائد ل «جوتة وشيلر»، وهما مؤسسا الحركة الكلاسيكية في الأدب الألماني، بينما في المدارس الانجليزية والفرنسية يُدَرِّسون فلاسفتهم وأدباءهم الوطنيين «شكسبير، روسو، فولتير»
رد عليه قائلا: «بعد الحرب العالمية الثانية، وهزيمة النازية، راجعنا الفكر والأدب والفلسفة الألمانية، اكتشفنا أنَّ المنابع مسمومة بالأفكار التي أدت للحربين العالميتين، وأن تلك السموم تسري من (جوته إلى نيتشه إلى شبينغلر)، فتركنا كل هذا ونوينا التركيز على العلوم دون الآداب والفلسفات، حتى نتدارك الأمر ونصححه».
في هذه القصة، فتش الألمان في تراثهم الفكري ونزعوا السموم التي كانت تغذي النفسية النازية والمتطرفة، حتى لا تتكرر مأساة الحروب.
عندما سمعت الحوار خطر في ذهني سؤال!، «لماذا تقدمت أغلب الشعوب وتفاعلت بالحداثة؟ وطاردت العلم والديمقراطية والحرية؟ بينما نحن ما زلنا قاعدين في التخلف والسلطوية؟ هل هناك شيء في أفكارنا المتوارثة عبر القرون تسرب إليه سموم؟، وهذه السموم تمنع انفتاحنا على الديمقراطية والحرية والعلم؟» وجدت أن هذا السؤال إجباري عندنا نحن العرب والمصريين.
***
في رواية مصرية، أيام الاحتلال الإنجليزي، قام أحد الحلاقين بإقناع أهل القرية أنَّ البول الدموي، علامة على فرط الصحة لأنه يدل على غزارة الدم!فما تأثير تلك الفكرة في أهل القرية؟ وكم مثل هذه الأفكار منتشرة بين العوام؟
***
عام 1939، أكتشف العلماء أثر ال «DDT»، كمبيد حشري، وتمكن هذا المبيد من إنقاذ ملايين الهنود من الموت (بسبب الملاريا)، واستخدموه في القضاء على الحشرات، انتشر استخدامه والإعلان عنه في الصحف الغربية والأمريكية على أنه المادة السحرية، قاموا برش المبيد على كل النباتات، ثم في عام 1970 اكتشفوا أنه مصدر خطير للسرطان.
قبل الاكتشاف، لو تخيلنا أي إنسان تطوع بالتحذير من ال «DDT»، سوف ينال عاصفة من النقد والتوبيخ، لأنه يريد أن يفسد عليهم فرحتهم بفكرتهم عن المبيد السحري.
***
في كتابها الأعماق المحتلة، كتبت «غادة السمان»: «في الهند عام 1981، اعترضت طريق القطار بقرة، وهم يقدسون البقر، فماذا فعل سائق القطار؟، أوقف القطار فجأة مستعملا فرامله بطريقة أدت إلى كارثة، وقتل الآلاف، ونجت البقرة».
«وُصِفَ الحادث يومئذ بأنه أسوأ كارثة قطارات في التاريخ، وكان المسؤول عنه شبحا لا يجرؤ الكثيرون علي مواجهته بالمنطق والعقل، شبح مقدس».
***
في زمن الحرب مع إسرائيل، كان الإعلام الرسمي والوعظ الديني يستعين بكلمات الحشد النفسي لنشر فكرة الحرب، وتم استدعاء آيات قرآنية وأحاديث وفتاوى تصب في فكرة الحرب، وحين تحولت الظروف إلى عقد معاهدة سلام، قام الإعلام الرسمي والوعظ الديني باستدعاء آيات قرآنية وأحاديث وفتاوى تصب في فكرة السلام، وفي هذا المثال تطبيق قديم لاستدعاء أفكار متناقضة يُظَن أنها تخدم الحاضر وتفيد المجتمع.
في ثورة 1919 حاول الإنجليز استقطاب المسيحيين، ولكنهم رفضوا وشاركوا بقوة في الثورة، وخطب القسيس على منبر المسجد وخطب رجل الدين المسلم في الكنيسة، ورفعت راية الهلال مع الصليب، وكان هذا العامل الأقوى في نجاح الثورة.
في الستينات من القرن الماضي كانت الأسماء المصرية متشابهة بين المسلمين والمسيحيين، «مجدي- سامي- أشرف- أيمن- إيهاب- إيمان- يوسف.. إلخ»، ولم يكن يدور بين الناس سؤال «هل هذا مسلم أو مسيحي»، وكان التلاحم والمشاركة والمباركة في المناسبات بينهما قوية ومخلصة، ثم جاء ظرف سياسي في السبعينيات، اختفت فيه الأسماء المشتركة، ولجأ الطرفان لأسماء من التراث الديني القديم بحيث جرت عملية تمييز متصاعدة، ثم تلى ذلك فكرة دينية خطيرة تُركت لتنتشر بين المسلمين، وهي «الولاء والبراء» وما يترتب عليها من قيود التهنئة والمحبة والتعامل بين المسلم والمسيحي، فكان رد الفعل الطبيعي هو أنَّ المسيحيين أطلقوا نفس الشعار عمليا، فانكمشوا في كنائسهم، وفي كل مناسبة تنطلق إعلاميا سلسلة حوارات حول حكم «تهنئة المسيحيين بأعيادهم، الترحم على موتاهم، تحيتهم.. إلخ»، وتصاعدت مشاعر الإهانة والمفاصلة بين المسلم والمسيحي، وحدث الانقسام النفسي والمادي في المجتمع المصري.
حين يبرز أمر خطير لا بد من مواجهته كما سبق في قضية الحرب والسلام، فمشاعر الطائفية تربك المجتمع وتغرقه في أزمات، وينشغل كل طرف بطائفته على حساب المصلحة الكبرى للجميع.
في الماضي كانت تحدث مصاهرات بين المسلمين والمسيحيين، فيكون الخال والخالة والجد والجدة مسيحيين، وكانت ظاهرة طيبة تصب في التلاحم بينهم، ولكن هذه الظاهرة اختفت تماما، وأصبحت بعيدة عن فكر أي أحد، أصبحت أشبه بالمُحَرَّم الغير متكلم عنه، رغم أنه مباح بتصريح القرآن الكريم.
الأفكار الخطيرة والتي تضر بالمجتمع وتفككه لا بد من مواجهتها بأفكار مضادة، ففكرة الولاء والبراء ليست واحدة في كل المذاهب، بل هي فكرة من الأفكار وهناك ما ينقدها وينقضها عند علماء آخرين، وحان الوقت لدفق تيار قوي لإنتاج أفكار، لا تصطدم بالشرع وفي نفس الوقت تزيد في لحمة المجتمع وتعيده إلى ما كان عليه من حب وتعاون وصفاء نية.
