لماذا الإيغال في التكلف؟

لماذا الإيغال في التكلف؟

اللوحة: الفنان الجزائري صالح المقبض

د. مصطفى الجوزو

ما زال بعض الكتاب من الأصدقاء الذين نقدرهم يتكلفون الكلمات الغريبة والعبارات المشكلة حتى يستشكل كلامهم حتى على كبار الاختصاصيين، وحتى يضطروا هم أنفسهم أحياناً إلى شرح بعض كلماتهم بين أقواس. وما زال كثيرون يطربون للغرابة والإشكال عند هؤلاء الأصدقاء ولو استغلقت عليهم معاني عباراتهم، وكأن المستغلق إنما هو مرادف المدهش. 

إن الكلام يقال كي يفهم لا كي يضطر المتلقي الى افتراش المعاجم، واللجوء إلى الكهان لتعرّف مغيبات التعبير. إن اللغة أداة تفاهم واستمتاع، وإن لكل عصر لغته التي لا يستمتع بغيرها من اللغات النادرة أو المهملة المنتمية إلى العصور الغابرة، فكيف بما يخرج عن الحاضر والماضي معاً أو يكون خاصاً جداً فيهما؟

ما أسهل على الاختصاصي في الأدب القديم أن يوعب غرائب الجاهليين والإسلاميين وحتى العباسيين في كتاباته، تلك الغرائب التي اضطرت الشراح إلى بيان معانيها والتنازع فيها، لكنه يكتب عندئذ للمجهول لا للمعلوم، ولا يعنيه أن تصل رسالته الى المتلقي. يكتب خارج الزمان والمكان وكأن له كوكبه الذي يند عن مواقيت أهل الأرض، والذي إذا عاد منه التائه فيه إلى المعمورة لم يكد يتذكر ما صدر عنه هناك.

وما أجمل بالكاتب إذا سبقت إلى قلمه كلمة من تراث الثقافة القديمة، أن يسارع إلى البحث عن بديل معاصر منها أو عن لفظة تكاد تنتمي إلى كل العصور، وما أكثر ذلك، ليظل التواصل بينه وبين القارئ ممكناً، مفيداً وممتعاً ما أمكن، ولئلا تنقطع حبال الود الفكري والجمالي بينهما. فالكاتب لا يباري القارئ بل يدعوه إلى حديقة يستطيع أن يصل إليها من طريق واسعة غير مقيد اليدين والرجلين. وما هو في اختياره هذا إلا متبع في ذلك كبار الكتاب، وليس مبتدعاً.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.