سندريلا

سندريلا

اللوحة: الفنان الفرنسي فريدريك ثيودور ليكس

ماهر باكير دلاش

كان يمكن أن تكوني سندريلا، لكن الواقع لم يكن ليحمل لكِ هذه الفرصة. في عالمٍ تلاشت فيه الأحلام، وأصبحت القصص الخيالية مستحيلة، لم يكن لكِ مكانٌ بين أضواء الحلم. في غزة، لا تأتي الساحرات الطيبات، ولا تسقط المعجزات من السماء، ولا يبحث الأمراء عن فتيات ضائعات في منتصف الليل. هنا، منتصف الليل ليس وقت السحر، بل موعد القصف، والضوء القادم من بعيد ليس وهج القصر، بل نيران تحرق البيوت.

في غزة، لم يكن البؤس مجرد محطة، بل إقامة جبرية. لم يكن الفقر عثرة في الطريق، بل هو الطريق ذاته. ولو أن سندريلا وُلدت هنا، لما انتظرت عربة تجرها الأحصنة، بل سيارة إسعاف لن تصل في الوقت المناسب. حذاؤها لن يكون من زجاج، لأن الزجاج هنا يتناثر شظايا على الطرقات، يملأ عيون الأطفال وصدور الأمهات. الحفل لن يُقام، لأن القاعة دُمّرت، والمدعوون بين شهيد وجريح ومشرّد.

  • في بلاد السندريلا التي لم تُولد

لكن القصة لم تُكتب لكِ، فالحكايات الجميلة تحتاج إلى مسرح مضاء، لا إلى أنقاض مدينة يتعثر فيها الضوء. تحتاج إلى ساحرة طيبة، لا إلى مسؤولين يتقاسمون ما تبقى من الهواء. تحتاج إلى عربات ذهبية، لا إلى صفوف طويلة على أبواب المخابز. تحتاج إلى حفل راقص، لا إلى صرخات الأمهات تحت الركام.

لو أنكِ كنتِ سندريلا، لكانت الساحرة قد ظهرت ببدلة رسمية، لتخبركِ أن شروط التحول السحري تتطلب توقيعًا على أوراقٍ لا يفهمها أحد، وأن موعد الحفل يعتمد على مزاج الأسواق العالمية. أما الحذاء الزجاجي؟ لم يكن ليناسبكِ، لأن مقاسكِ لم يكن ضمن خطط التنمية المستدامة.

أما الأمير؟ فربما كان سيصل متأخرًا بسبب أزمة الوقود، أو ربما لن يأتي أبدًا، فقد تبيّن أن البلاد تخضع لعقوبات تمنع توريد الحب، وأن البلاط منشغل بمفاوضات تأجيل الحفل إلى أجل غير مسمى. الحفل؟ أُقيم، بالطبع، لكنه لم يكن لعامة الشعب، بل كان مناسبة خاصة لبعض الشخصيات المؤثرة، الذين لم يسمعوا قطّ باسمكِ، ولا يهمهم ما إذا كنتِ قد حصلتِ على لحظة من السعادة، أو أنكِ ما زلتِ تنظفين الرماد في زاوية المدينة المنسية.

  • عندما يكون الحفل محرقة

في غزة، لو ظهرت الساحرة الطيبة، فستُسجَّل على قوائم المطلوبين، لأن السحر هنا ممنوع، والحياة الكريمة تهمة. ولو قررت الفتاة أن تحلم، فستنطفئ أحلامها عند أول حاجز، أو تحت أول ركام. لو أنها عثرت على الحذاء الزجاجي، فلن يكون سوى قطعة من نافذة مهشمة، أو من زجاج سيارة محترقة، أو من واجهة متجر سُوِّي بالأرض.

أما الأمير، فهو لم يأتِ، ولن يأتي. لأن الأمراء هنا ليسوا في القصور، بل في الأنفاق، يقاتلون ليحفظوا ما تبقى من الحكاية. ولو أنه جاء، فربما لم يجدها، ربما وجد اسمها مكتوبًا على جدار، أو صورتها مرفوعة في جنازة، أو لعبتها الصغيرة تحت الأنقاض.

  • حذاء الزجاج لا يصلح للطرقات الوعرة

في غزة، الفتيات لا يحلمن بالرقص في الحفلات، بل بالرقص تحت المطر دون أن يخشين الصواريخ. لا يحلمن بفساتين الحرير، بل ببطانية تحميهن من برد الخيام. هنا، لا يُترك الحذاء خلفكِ ليبحث عنكِ أحد، بل تتركين وطنًا بأكمله خلفكِ، بحثًا عن واقع أقل قسوة.

في بلادكِ، الجنيات الطيبات عاطلات عن العمل، لأن العقود السحرية لا تتناسب مع قوانين السوق. لو أنكِ كنتِ سندريلا، لما وُجدت قصة أصلًا، لأن الحكاية تحتاج إلى حد أدنى من الأمل، ونحن هنا بالكاد نملك رفاهية التمني.

  • في غزة، لا تنتهي الحكايات بسعادة

في نهاية القصة، لم تجد سندريلا عربة ذهبية، ولا قصرًا منيفًا، ولا حياة هانئة. وجدت نفسها وسط مدينة تئنّ تحت الأنقاض، وسط عالمٍ صامتٍ يتفرج، وأصواتٍ باردة تتحدث عن التهدئة، بينما الموت يواصل جولته المسائية. وقفت أمام مرآةٍ مهشمة، تبحث عن ظلها وسط الدخان، وتُدرك أن الحكاية لم تكن سوى وهم.

تنظر إلى السماء، تبحث عن نجمة لم تُغِبها الحرب بعد، وتسأل نفسها:

“كان يمكن أن أكون سندريلا… لكن، لمن تُقرع الأجراس في بلاد لا تعرف سوى صفارات الإنذار؟”

رأي واحد على “سندريلا

اترك تعليقًا على غير معروف إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.