أخرس 

أخرس 

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنانة السورية سارة شمة

دماءه تستصرخ وتتكلم في نفس وقت مقتله من كل عام! هكذا قالوا عندما دخلت مغارة الأخرس لأول مرّة عندما كنت صغيرة، لكن هذا لم يزد إلا في فضولي لمعرفة قصة مقتله. قيل لي إنه كان يحفر في تلك المغارة ليوسعها لقاء أجر. أحضرت زوجته طعام الإفطار، فأشار إلى الصخرة فوق رأسه، وأومأ لها أن الصخرة ستسقط، طمأنته ألا تخاف وأمرته أن يتابع الحفر وخرجت وهي متيقنة بأن الصخرة ستسقط، خذلته وخانته.. عادت بعد الظهر لتجده تحت الصخرة مضرجة بدمائه وقد فارق الحياة.

***

كنت أدخل المغارة وأخرج مسرعة خائفة، فلربما يكون قد مات في هذا اليوم وتلك اللحظة، وربما تكلم واستصرخني في تلك الأثناء! وضعت رجلي على عجلة الزمن لأسيره بأقصى سرعة، يجب أن أكبر وأقوى كي أستطيع أن أجيب كل من يستصرخنيوكل من لم يستصرخني؛ لأرفع عنه ظلمه صغيره وكبيره، ولم يكن جسدي بقادر على حمل رأسي فقط وسادتي تفعل. وكانت كل مشاريعي التي أنشؤها في الليل أمحوها عند الصباح، فضاعفت الجهد، وما أن ينتهي اليوم فأقوم بكشف الحساب، فلا أجد أي مكسب أو تحصيل أو حتى رصيد وأقوم مكتئبة. 

وأسعد عند الوصول إلى وسادتي التي تنتظر رأسي الثقيل المثقل دون كلل أو ملل، وما أن أضع رأسي عليها لأغفو حتى تطل ذاتي لتحدثني عن كل إخفاقاتي، وعن كل ما أخفيته ووضعته في كهف ذاكرتي ونفسي، وهو تجفيف منابع الشر ونشر الصدق والخير بين الناس، لأن من يخذل ويخون سيكرر فعلته آلاف المرات، والذي يُخذل ويهان فإن بقي على قيد الحياة، فإنما يعيش دائما وهو يخشى الإهانة والخذلان، لكن هذا لم يعد مهما، ولم يعد الشخص الذي أمامي مهما إلا بقدر ما أمد له العون، وانا وأفكاري وثقتي التي انهارت بمن حولي كذلك، لم يعد هذا مهما إلا بالقدر الذي أستطيع فيه الصمود، والذي قد يثقل القلب ولكن لا يثني من العزيمة. فدائما هناك قيل وقال، عصفور وصياد، لص وأمين. مريض وطبيب، وكذلك رب وعبد، فألج إلى عالم الحكاية، وحصيلة التراث الإنساني على مدى قرون والتي كانت تعين على الصبر وعدم اليأس وتفتح أبواب الحلم والخيال والمثابرة.

فالحطاب أتى بشيء لم يقدر عليه الأمراء وتزوج ابنة الملك، ثم بنى قصرا أفضل من قصر الملك، والخادم البسيط أتى بعشبة فيها دواء ابن الملك وأصبح وزيراً

والصياد اصطاد سمكة نادرة وباعها بثمن كبير أو وجد في جوفها جواهر أعانته هو وأسرته وأصبح ثريا، وهذا الفلاح وجد طميرة من الذهب أثناء حراثة الأرض أما ذاك الذي كان يسير مع القافلة لسقاية الماء لقاء طعامه وأجر زهيد فقد أصبح تاجراً بل وسيد التجار لقاء ما تعلمه خلال أسفاره مع التجار، وكم تقي أبواه كافران، وكم شقي أبواه صالحان!

نعم لا بأس، فالصغير يكبر والفقير يغنى وأيضا الغني يفقر، فالدنيا لا تدوم على حال، والفرج على الرب المعبود، والله يقول: تلك الأيام نداولها، فغيرت مفاتيح القلب والعين والمشاعر، كبرت وتعلمت ونضجت وقويت، وسندت نفسي وأصبح بإمكاني أن أسند غيري، لكن الأيادي السود قصت جوانح الحلم ولجمت الخيال ثم أغلقت النوافذ وخلعت الأبواب ودمرت الحجر والبشر، دون أن نعي، فبعضنا دجن وغيره غرر، وبعضنا سجن والبعض شرد أو قتل، ومع توالي الأيام وكثرة الشرور، أصبحنا كلنا في عمق المغارة نشبه الأخرس! أصبحت خرساء وكذلك الآخرين! وإني لأشعر أن الجميع يستصرخني ويستنصرني بصمت، وأنا أستصرخهم وأستنصرهم بذات الصمت، فلا أمد لهم يدا، ولا يمدون! فنستنصر الله جميعا أنا وهم، لي ولهم.

اترك رد