شطيرة وجع هاملت

شطيرة وجع هاملت

اللوحة: الفنان الإنجليزي وليام نيكلسون

محمد محمود غدية

لاحظ ان أنامل يدها، وهي تقدم فنجان قهوته المرة، طويلة مع دقتها ورقتها، صبوحة الوجه ضاحكة، يراها المرء يحسب أن عذابات الدنيا انتهت، والروح عادت الى الأبدان، وجهها يضيء كالشمع يحسبه في مثل نعومته، الكافية رغم بساطته، يلفك بسحره، ولا ترغب بمغادرته، الساقية يجن من يراها، ترفل بجسد الحوريات في ملبسها الذى يخفي ويظهر في بساطته وأناقته، لابد أن يكون قويا متحررا من مخاوفه، قويا رغم تفكك وانهيار حصونه، وخسارته المروعة في صديق عمره وشريكه في مكتب الاستيراد بعد ان حرر له توكيل بالإدارة، واختفائه بعد بيعه الأصول، وسحبه الأرصدة البنكية، كان أمام ممثلا محترفا، وطلاء ذهبيا كاذبا، متى حككت الطلاء، لا تجد غير ذئبا في صورة انسان، وعش زنابير تتهيأ للدغك حتى العظام، كيف لم يكتشف أن محبته وابتسامته فصل في رواية الكذب والمداهنة والتملق؟! 

ما أقسى من يبطن عكس ما يظهر، ويبتسم في الوجه، ليطعن من الخلف.

 النادلة تتنقل بين الطاولات في رشاقة، مثل ابتسامة مفاجئة في وجه انسان متعب، قلما تنفرج اساريره، ما الذي قاده الى هنا، يتوجع من غدر الصديق وضياع كل ثروته، ما أقسى أن تتلون مأساتك بلون القهوة المرة، لون الحزن ولون الموت، أن تفقد قدرتك للخيط الفاصل، بين النفس وبين الروح، وجَم وسكن وانخطف لونه ونام.

 يد حانية تربت عليه، لم يكن يحلم، النادلة هي من ايقظته، وعلى فمها تتخايل ابتسامة مشرقة، وقد تموجت على كتفيها خصلات شعرها الفاحم المسترسل ووجهها الصبوح، تناديه بصوت لا يسمع ويتغلغل بداخله: خذني سراجا يزيح القتامة، ويبعد عن مقلتيك الندامة، هل هو ثمل ام يحلم؟  انه امام امرأة مدخرة، لم تدخل ساحته بعد!  راقت له سيدعوها في لقاء خارج الكافية، وافقته بعد انتهاء عملها الذي ينتهى بعد قليل، حكى مأساته التي كانت اخف من مأساتها، بعد ان طلقها الزوج الذى من اجله هجرت بيت أسرتها، واستولى على ذهبها ومدخراتها، تعيش فى لوكاندة مخافة العودة لأسرتها، تحمد الله انها لم تنجب منه وانها مازالت واقفة على قدميها تعمل لتعول نفسها، اكتشف من حوارها انها كاتبة روائية، لها اكثر من مجموعة قصصية، اخرجت من حقيبتها اجندة تكتب فيها بعض من جواهر الكلم وابداعاتها.

 قرات له قول هاملت لصديقه هوراشيو في مسرحية شكسبير: هناك يا صديقي ما بين الأرض والسماء، ما يعجز وعيك المحدود عن ادراكه! 

وتحت تأثير كآبة وصدمة هاملت في جنس البشر، كشف له شبح ابيه الملك المغدور، حقيقة ما وراء موته المفاجئ، وزواج امه الملكة، من عمه الذي قتل أخاه غيلة، واغتصب الملك والمرأة معا، فى قصة هاملت وجع لا يذهب.

 قال لها: انه مازال لديه شقته وسيارته التي سيذهبان بها الي أقرب مأذون، ليكتبا معا قصتهما الجديدة، بعد ان تنفسا لأول مرة، أصدق عواطف الابتهاج، فى عدم البكاء على اللبن المسكوب ومسؤولية تحمل أحزانهما بشرف.

اترك رد