تمهيد لفلسفة ما بعد الحداثة (1)

تمهيد لفلسفة ما بعد الحداثة (1)

اللوحة: الفنان الأميركي جان باسكيات

شيكدار محمد كبريا

بعض الأسئلة الأساسية المتعلقة بالكون، مثل: من أنا، من أين أتى أصلي، وما هو مصيري؟ كيف نشأ العالم وتطور؟ ما قيمة الحياة أو أهميتها؟ ما معنى الخير والشر، الصواب والخطأ، السعادة والحزن؟ ما طبيعة المعرفة والحقيقة؟ هل يمكن للإنسان اكتساب هذه المعرفة والحقيقة؟ هذا النوع من التساؤلات يُطلق العنان للفكر الفلسفي.

يندهش الناس من الغموض، ويفرحون بالفرح، ويحزنون بالحزن، أو يُبهرون بالجمال. يفكر الجميع تقريبًا في أصل الحياة وطبيعتها وعواقبها. لكن هذه الأفكار لا تدوم طويلًا في العقل البشري العادي لأسباب مختلفة. في معظم الحالات، يسعون إلى وضع حد لأفكارهم لصالح الدين التقليدي، أو لتجنب هذه الأمور بشكل غير مسؤول. لكن الفلاسفة يواصلون جهودهم المتضافرة لإيجاد الإجابات الصحيحة لهذه الأسئلة، ويواصلون نشاطهم في تحقيق الذات بطريقة منطقية، بتجريب آراء مختلفة، وتكوين آرائهم الخاصة. في إدراك أو اكتشاف الطبيعة الحقيقية للعالم والحياة، يسترشد الفيلسوف بحيادية واستقلالية بتطبيق حواسه وعقله وضميره دون الاعتماد على توجيهات أحد، ولا يقبل أي شيء دون تمييز. ومن المعلوم أن البحث عن المعرفة الفلسفية الحقيقية والحقيقة لا يسترشد بالمجتمع (الدين)، أو الثقافة الإصلاحية، وما إلى ذلك، بل يتحكم فيه ويوجهه منطق الإرادة الحرة.

هناك فرق بين النهج الفلسفي ومنهج التعلم، وبين نهج وتطبيق المواضيع الأخرى. على سبيل المثال، يصل العالم إلى نتيجة من خلال البحث في جانب معين من الطبيعة. أما الفيلسوف فيصل إلى نتيجة شاملة من خلال دراسة منطقية لأساليب ونتائج وتطبيقات هذه المعرفة. قد يُطرح السؤال: بينما تنشط الحياة بالمعرفة العلمية الخاصة، فلماذا الحاجة إلى المعرفة الفلسفية الشاملة؟ لنفترض أن عالمًا اخترع قنبلة ذرية. قد تُطرح بعض الأسئلة الجوهرية: كم من الدولارات أُنفقت على هذا المشروع؟ ما مدى التقدم الذي كان سيُحرز في مجالات الغذاء والصحة والتعليم والتوظيف، إلخ؟ ما حجم الضرر الذي كان سيُسببه استخدام هذه القنابل؟ ألا ينبغي استخدام الطاقة النووية لصالح البشرية دون صنع قنابل؟

هذه الأفكار لا علاقة لها بذلك العالم أو عالم الذرة، فعمل العالم مجرد اختراع أو اكتشاف. لكن على الفيلسوف أن يفكر في كل هذه الأمور. لنأخذ مثالًا آخر، لنفترض أن سلطة حكومية كلفت عالم أحياء دقيقة تابعًا لها بتعديل جينات فيروس ما بحيث يمكنه البقاء في بيئات معادية بخصائص ستة فيروسات أخرى. اتبع العالم العامل في مختبر الدولة التعليمات ونجح في بحثه.

انتهى عمل العالم. ثم استخدمت الدولة الجرثومة كـ”سلاح جرثومي” لدفع الحضارة البشرية إلى حافة الدمار. لكن عالم الأحياء الدقيقة لم يُعر الأمر اهتمامًا. بمعنى آخر، إن منطق الاكتشاف العلمي وتطبيقه، أي الشرعية/اللاشرعية، واللياقة/اللالياقة، والنتيجة، وما إلى ذلك، ليس مسألة فكر علمي؛ بل هو فلسفي. 

(يتبع)

ترجمة: حانة الشعراء


شيكدار محمد كبريا شاعرٌ وكاتبٌ متعدد المواهب، ومترجمٌ وناقدٌ وفيلسوفٌ من بنغلاديش، نُشرت أعماله عالميًا، وترجمت، ونال جوائز عالمية. نُشر له حتى الآن عشرون كتابًا، وتُرجمت أعماله ونُشرت في حوالي خمسين لغة.

رأي واحد على “تمهيد لفلسفة ما بعد الحداثة (1)

اترك تعليقًا على عبدالسلام هزاع محمد إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.