… كان يحتاج للصّلاة

… كان يحتاج للصّلاة

اللوحة: الفنانة الإنجليزية إليزابيث وانج

رَقَب غروب الشّمس وانسياب الطّيف البرتقاليّ إلى عباب البحر، اعتمر قبّعته الرّماديّة وحث خطاه إلى الكنيسة المجاورة، كان يحتاج للصّلاة في مكانٍ يُجسّد فيه الفكر البشريّ حضور المطلق الكائن في كلّ مكان.

كان كلّ الوطن في حالة صيام منذ ثلاثة أسابيع، بدأ الكاثوليك صيامهم يوم الإثنين والمسلمون يوم الأربعاء ثمّ الخميس وتبعهم الأورثوذكس يوم الإثنين الذي تَلاه، وحينها لم يعد من حرجٍ أن تحيّي أيًّا كان بعبارة: “صَوم مْبارك”. كان الجميع يعيشون التَّوق إلى الذَّات العظمى كلٌّ على طريقته، كلٌّ بسلام، قبل أن تشتعل النّيران في أرجاء المنطقة على حين غفلةٍ، في عتمة اللّيل.

… كان يحتاج للصّلاة

وصل إلى الكنيسة متأخرًا على عادته، ولبث هنيهةً في الخلف لئلّا يزعج دُخُوله المُصلّين.

كان صوت المرنّم شجيًّا يتصاعد من الدّاخل من دون أن ترافقه آلةٌ موسيقيّةٌ، على نمط الطّقوس الشَّرقيَّة:

–           “معنا هو الله”

أعادها المرنّم وهو يُمتِّع شأو حنجرته الدّافئة بالمساحات الصّوتيّة لحروف العلّة،… “كيف وصلوا إلى هذا القسم من الصّلاة، لا شكّ أنّ الأبونا مستعجلٌ اليوم” فكّر بصمتٍ وهو يجلس على مقعدٍ في آخر الكنيسة.

تابع المرنّم الصّلاة والابتهال أمام المذبح الخالي، فالأبونا كان يقف مصلّيًّا مع سائر الرّعيّة دون أن يتقدّمهم، في لحظةٍ تعكس حقيقة المساواة أمام الذي كان وهو كائن وسوف يكون:

–           “اللّهم اغفر لنا نحن الخطأة وارحمنا”… 

… لم تكن تلك أول الأيام العصيبة ولا آخرها، ولكنّه كان يحتاج للصّلاة.

بدأ القارئ بالتلاوة للمرّة الثانية: “يا رب ارحم! يا رب ارحم! يا ربّ ارحم!…” بتواصلٍ وثباتٍ دون أن ينقطع نَفَسُهُ لاثنتي عشرة مرّة.

ابتسم وهو يفكّر في الطّقس الشّرقيّ العتيق الذي يدأب على تكرار عبارة “يا ربّ ارحم” لأربعين مرّة وليس اثنتي عشر. ربّما هم على حقٍّ بتلاوة هذه الطّلبة أربعين مرّة متتالية، فنحن بتنا نحتاج للكثير من الرّحمة. 

كان قد تعب هذا اليوم والأمس والذي سبقهما من كثرة كلام المحلّلين والمعلّقين والمذيعين، على الشّاشة التي تمتهن بيع اللّغو والكلام وتشيح النّظر وتضعضع التّركيز عن المأساة، فتُلهي المُشاهِد بتفاصيل المأساة وبتحليلها وتفنيدها وفلسفتها وكأنَّ ليس هناك من يَقتُل ومن يُقتَل، كان جميعهم يلبسون الألوان الزّاهية ويتّخذون الوضعيّة الرّصينة ويستفيضون في تحليل المأساة وقد ينجرفون إلى تجميلها وإلباسِها ألقبًا وَصِفاتٍ منمّقةٍ لا تسمّيها باسمها الصّحيح “المأساة”.

… كان يحتاج للصّلاة

–           “لأنّنا باتِّكالنا عليك لا نخيب”

تابع المرنّم بصوته الشّجيّ بعد انتهاء القراءات، مذكّرًا إيّاه بما تُعلّمه الحياة كلّ يوم، هناك واحدٌ نتوكّل عليه وحده، إن في جميل أيّامنا أو في أصعبها.

–           “لِتَكُن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض”

لم تكن تلك الصّلاة بالسّهلة، خصوصًا في زمن الحروب، حيث يسمح البشر لنفسهم بمساءلة الله، دون وعي أو تفكير، وإنّما بوجع، بِلَوعَة الذي يرى إنسانًا يرتكب ما اتّفقت على تحريمه أجيالٌ وأجيال. هو كان من هؤلاء الذين، في لحظة ضعف ووجع، يسائلون الله على أفعال البشر.

… كان يحتاج للصّلاة

–           “يا رب القوات كن معنا. فليس لنا في الضِّيقات معينٌ سواك. يا رب القوَّات ارحمنا”

هو أتى اليوم ليسمع هذه التّرتيلة بالذّات، صلاةٌ لا تُتلى رسميًّا إلّا في زمن الصّوم الكبير في هذه الرّتبة المسائيّة. كلُّ سنة يعيد هذه العبارة خمسين يومًا وصولًا إلى العيد، ولكنه لم يكن يتوقّف عندها مثل هذا اليوم، كان لا بدّ أن يعيد اكتشاف هذه الحقيقة في زمن تخلّى فيه البشر بعضهم عن بعض، وبدؤوا يحاربون بعضهم بعضًا معتنقين أبشع أنواع التّحضُّر. لقد أصبح الإجرام متطوّرًا بقدر تطوُّر الذّكاء الاصطناعي، في زمن أصبحت فيه النَّفسُ اصطناعية وطرَدَت الرّوحَ خارج مساكِن العقل والجسد، فالذّكاء الطّبيعي أعجز من أن يقترف الجرائم مبتسِّمًا من على المنابر.

وقف الجميع بهدوء استعدادًا للسّجود خلال تلاوة صلاة السّريانيّ:

–           “أيها الرّبّ وسيد حياتي لا تَبلِني بروح البِطالة والفُضول وحبِّ الرِّئاسة والكلام البطال”

كان كثيرون يستغربون تحاشيه استعمال عبارة “سيّد” في حياته اليوميّة، فكان يستعيض عنها باللّقب المناسب لِمهنة المُخاطَب أو بلقب بأستاذ أو بتعبير “آدمي” للمقرّبين والأحبّاء، كان لديه سيِّد واحدٌ ليس من جنس البشر.

–           “بل أَنعِم عليّ أنا عبدك الخاطئ بروح العفّة والاتّضاع والصّبر والمحبّة”

كثيرة كانت النّعم التّي يطلبها، ولكن ليس بحرارة،… حتّى في ساعة الصّلاة كان يسقط في التّجربة.

–           “نعم أيُّها الرّبّ الملك، هب لي أن أرى زلّاتي وعيوبي ولا أدين إخوتي، فإنّك مباركٌ إلى دهر الدّاهرين”

هناك في الخارج كان البشر يدينون بعضهم بعضًا وكلٌّ مقتنعٌ أنّه على حقّ، ويغيب عن بالهم أنّ في الحرب لا أحد على حقّ. ألفا سنة ولم يتعلّم البشر المحبّة ولم يكتشفوا مفاتيح السَّلام، أم أن ذلك محض صدفة يعاني منه كلُّ من يولد عند منعطف الحضارات، كلُّ من يولد في شرقنا الذين يشتعل دومًا وإن أخذ استراحةً محدودةً في الزّمن.

لم يكن يظنّ أنه سيعاين بشكلٍ متواصلٍ كتابة التَّاريخ بوحشيّته الإنسانيّة، في الوقت الذي يقرؤُه الآخرون على صفحات الكتب، بنصوصٍ يبتكرها كل من زاويته، ويَنْسُون جميعًا أن زمن عمر البشر محدودٌ ببيولوجيا الزّوال، وأن الذي له البقاء هو من سيكتب الكلمة الأخيرة على مختلف مستويات الوجود. ولكن المأساة ستكمن في ما سيكتبه غدًا المنتصرون.

–           “فأطلُب إليكَ الا تترُكَني وحدي”

تابع القارئ منهيًا القسم الأخير من الصّلاة.

–           “آمين”

–           “صلاة مقبولة انشالله”، قالها الأبونا منهيًا “صلاة النّوم الكبرى” بينما كان المصلّون يتوجّهون بخطًى بطيئةٍ وثابتة نحو الباب المفتوح على كلّ ارتكابات البشر.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد