الانحسار

الانحسار

صالح مهدي محمد

اللوحة: الفنان الأيرلندي فرانسيس بيكون

في البدء لم يكن البدء سوى طبقة رقيقة من غبارٍ يتراكم على فم الزمن. لم يتحرك شيء، بل كانت الأشياء تتبدل مواقعها ببطء، كأنها تتآكل من الداخل. الصمت لم يكن غياباً للصوت، بل كان مادةً كثيفة تقتات على ما يتبقى من اللحظات. هناك، عند حافة لا تُرى، كان يتشكل معنى ملتبس، يتقشر كما يتقشر طلاءٌ قديم عن جدارٍ رطب.

لم يكن يسير، بل كان يتسرب عبر فتحات غير مرئية، كما لو أن الجسد نفسه صار فكرةً تبحث عن حامل. الزمان لم يعد خطاً يُقاس، بل دائرة من دخان تعيد نفسها من دون أن تعترف بالتكرار. كان ينسج من خيوط واهية مدناً معلقة، لا تعترف بثقل ولا تنصاع لجاذبية. الكلمات مغلقة بإحكام، معلبة داخل طبقات من عزلة، لا تُفتح إلا بمفتاح الانفصال. ظن أن الواقع مزحة ثقيلة قالها كائن غابر ثم انصرف، فآثر أن يقيم مملكته على رماد الرؤى، وأن يجعل من كل فكرة مسماراً إضافياً في نعش صلته بالأرض.

تضخمت الذات حتى غدت فجوةً تبتلع الملامح. في غرفة تشبه جوف حوتٍ مهجور، فقدت الأشياء صلابتها. الكرسي لم يعد سوى احتمالٍ للجلوس، والطاولة مسرحاً لبطولات لا تقع. كان يقتات على فتات ضوءٍ يتسلل من شقوق خياله، ويرفض خبز اليوم اليابس. كل نبضة قلب تقابلها فجوة في معادلة لا يفهمها، وكل زفير ينقص من رصيده في العالم المادي. توهم أنه صانع الشيفرة، بينما كان مجرد خللٍ عابر في نظام لا يلتفت إلى الأعطال الصغيرة. الغموض التف حول عنقه كوشاحٍ ثقيل، والواقع يراقبه بصبر صيادٍ يعرف أن الفريسة ستتعب من الركض داخل رأسها.

ثم بدأت الجدران تتعرق حقيقةً. لم تكن العثرات حجارةً في طريق، بل ندبات قديمة في ذاكرة تتصلب ببطء. تعثر بظلٍ تركه خلفه ذات غفلة؛ ظل لم يعد يطاوعه، بل يسبقه بخطوة. حاول أن يلتف حوله بخيال جديد، غير أن الخيال أصيب بعتمة مفاجئة. اللغة استعصت حتى عليه؛ الكلمات التي كان يروضها انقلبت عليه، وراحت تتناثر كزجاجٍ مهشم. سقط في فجوة بين ما يُرى وما يُتوهم، وكانت الصدمة الأولى جسدية: ألم في الظهر، جوع في الأمعاء، برد ينهش العظام. أدرك أن النار التي أشعلها في رأسه باردة، لا تطهو خبزاً ولا تدفع صقيعاً.

العثرة التالية كانت صوتاً لا يقبل التأويل: منبه، أو بائع عابر، أو حقيقة تضرب زجاج الصمت. حاول أن يرده إلى سمفونية ملائكية، أن يكسوه بطبقات من المجاز، لكنه بقي حاداً في وضوحه. وجد نفسه في مواجهة أوراق، وفواتير، ووجوه مرهقة، وغبار لا يزول بالتمتمة. بدأ الخيال يتقشر كجلدٍ ميت، وكل باب تخيله مخرجاً انفتح على جدارٍ إسمنتي بارد. تذكر أن له كتلة، وأن الكتلة تخضع لقانون لا يعترف بالأجنحة المصنوعة من شمع.

عند هذا الحد بلغت اللغة أقصى استغلاقها، ثم انكسرت. صارت الكلمات مركباتٍ مرة في الحلق، تتفاعل لتنتج طعماً معدنياً من الخيبة. فهم، متأخراً، أن ما حسبه ملاذاً كان زنزانةً مبطنة بالحرير. الواقع لا يحتاج إلى استعارة كي يفرض سطوته؛ الألم ألم، والوقت سكين لا يخطئ الرقاب الهشة. بحث عن زاوية يلوذ بها، عن مخرج طارئ في ركن بعيد من رأسه، فوجد الركن مسدوداً بركام ما تراكم من أوهام تصلبت حتى صارت قشرةً سميكة.

الصحوة لم تكن احتفالاً، بل انكشافاً جافاً. انفتحت العينان لا لتكتشفا جمالاً خفياً، بل لتريا سطح الأشياء كما هو. المحيط الذي ظنه ممتداً كان بركةً راكدة في فناء متداعٍ. الجسد مرساة، والضرورة بحر لا يلين. هنا، عند عتبة الانحسار، أدرك أن الوهم لا ينهار دفعة واحدة، بل يتكلس؛ يتحول إلى طبقة صلبة تكسو القلب، ثم تتشقق تحت ضغط يوم عادي. سقطت الشيفرات، تلاشت المدن المعلقة، وبقي هو أمام مادة العالم، عارياً من تأويله، منتمياً رغماً عنه إلى ثقلٍ لا يرحم من حاول أن يعيش في الدخان.

اترك رد