زحام وفراغ

زحام وفراغ

اللوحة: الفنان المغربي عبد الرحيم فشتالي

عندما يسافر إنسان إلى بلد لا يعرف لغته، يلجأ إلى لغة الإشارة. لكن ثمة غُربة من نوع آخر، غربة تتفاقم حتى يستحيل معها أي تواصل؛ لا لسان، ولا إشارة، بل يكاد المرء يشك أن أحدًا يراه أصلًا.

هذا الجيل ينفرد في تاريخ البشر بأنه الأوفر حظًا، والأشد معاناة. حظه أنه لحق قطار عصرٍ أسطوري في العلم والتقنية وسهولة الوصول، ومعاناته أنه وُلد على كوكب يختلف جذريًا عن ذلك الذي وُلد عليه آباؤه وأجداده.

الإنسان إناءٌ صغير، محدود السعة.. وكان هذا الإناء يكفيه في رحلته القديمة البسيطة. أما اليوم فقد هبط إلى عالمٍ ملوّن بعد أن كان العالم أبيض وأسود؛ عالمٍ متخم، سريع، متشعب، يفيض بالمثيرات قبل أن يتهيأ الوعي لاستقبالها.

في الماضي، كان الطفل يصعد درجات المعرفة ببطء، سنواتٍ طويلة قبل أن يبلغ قمم الفهم والتخصص. أما إنسان اليوم فيهبط إلى الدنيا ليجد ورقة الواجب مكتوبًا عليها: «انطلق بأقصى سرعة، فالسباق بدأ قبل وصولك». لم يُطلب منه دكتوراه في العلوم فقط، بل في الوعي، والعاطفة، والفهم، والإدراك، والاستجابة، بل وحتى الإيمان. وكل ذلك في زمنٍ لا يسمح بالتدرّج، ولا يمنح فرصة للالتقاط.

كمن يُكلَّف بإدارة مستشفى شديد التعقيد، بأدوات سبّاكٍ ماهر، لا أكثر. يراقب المواسير والمحابس بإخلاص، بينما تتعطل المنظومة، وتضيع الأرواح، لا لفساده، بل لأن أدواته لا تناسب المهمة. وهكذا فُوِّض هذا الجيل بإدارة مستشفى حياته البالغة التشابك، بإمكانات الحِرَفي البسيط.

ربما تستطيع الأجيال القادمة أن تتكيّف، أن تُدرَّب مبكرًا، وتعيد تشكيل أدواتها لتناسب القفزة. أما ثمن الصدمة، وألم الانتقال، فسيدفعه هذا الجيل.. المحظوظ والمتألم.

كثيرًا ما أقول: إنه الجيل الذي رُفع عنه القلم، وهو قول جاد في ثوب هزل. وإن كنت أتحدث هنا عن حيرة الإنسان الغربي، فماذا عساه يُقال عن الإنسان العربي؟ إنسان لم يتلقَّ رعاية تخفف الصدمة، ولا إعدادًا يرقّي أدواته لتلائم الواقع.

اجلس إلى أي مقهى، وأنصت قليلًا: ضجيجٌ كثيف من الكلمات.. وقليلٌ نادر مما يُشبه المعنى. امتلأ إناء الوعي بكلماتٍ مستعارة، فامتلأ الإنسان غربةً.. وهو يشعر بالفراغ.

ألغت الشاشةُ الجلسةَ، وقدّمت عينًا تلتهم بدل لسانٍ يُعبّر؛ فخمدت القدرة على القول، وحين نطق اللسان.. خرج الكلام ثرثرةً بلا منطق، ولا حصيلة. ومن علامات هذا الخلل العميق، ذلك العجز الواضح عن الربط بين الأسباب والنتائج.

جيلٌ تربّى على زرّ الريموت؛ يضغطه فتُفتح “البلورة السحرية”، ويُعرض أمامه عالم يفوق الخيال. ومع الوقت تسللت إلى منطقه قناعة خبيثة: أن الأهداف تُنال بالطريقة نفسها… ضغطة واحدة؛ يضغط، فيصبح خبيرًا. يضغط، فيغدو عالمًا. يضغط، فيصير ثريًا. وتركناه فريسةً لهذا الوهم، دون مقاومة حقيقية أو تقويم جاد.

ولعل السبب الأعمق لافتراس هذا الوهم هو التراجع الحاد لقيمة العلوم الإنسانية في بورصة التعليم. لم يعد يُرى في الفلسفة أو التاريخ أو الاجتماع إلا تخصصات “لا تُطعم خبزًا”. ونسينا – أو تناسينا – أن العلوم نفسها قامت على فلسفات، وأن العقل الذي لا يتدرّب على المنطق يعجز عن فهم العلم كما يعجز عن فهم الحياة. فكانت النتيجة جيلًا لم يُحسن تحصيل علم، ولم يمتلك فلسفة، ولم يتدرّب على الربط، ولا على الصبر، ولا على فهم العلاقة بين الطريق والنهاية. وما زلت أحمّل ذنب هذا الخلل لجيل الآباء، والسلطة، والنخبة. جميعهم ألقوا بالشباب في البحر دون تعليم السباحة، ثم وقفوا على الشاطئ يوبّخون الغرقى، وينسبون ارتباكهم إلى الكسل أو ضعف الأخلاق. وهكذا ظلمناهم مرتين: تركناهم بلا أدوات، ثم حاسبناهم على الفشل.

أشفق على إنسان اليوم، ولا أتحامل عليه. فهو يحمل أضعاف طاقته، بلا ترتيب ولا تمهيد. ولهذا تعطّلت فرصته الوحيدة للحياة.. امتلأت عيناه بكل شيء، وفرغ قلبه من أي شيء. فصار حيًّا في الزحام.. وغائبًا عن نفسه.

لم يمت الإنسان.. لكنه لم يعُد يعيش.

اترك رد