اللوحة: الفنان الإيطالي ماريو سيروني
إهداء:
إلى العالقين في حوافِّ الدهشة، حيثُ القصةُ خيطُ دخانٍ لا يقبلُ القيد.
يحدثُ أن ينكمشَ الضوءُ في جيبٍ مجهول، قبل أن يرتطمَ بشيء. هناك، حيثُ تسقطُ الأنسجةُ عن هياكلِ الوقت، تبدأُ المسافةُ في أكلِ نفسها. ليس ثمة هواء، بل لزوجةُ ذكرى تحاولُ أن تجدَ لها هيئةً في الزحام. كلُّ ما هو قائمٌ هناك يقتاتُ على الاضمحلال، كأنَّ الوجودَ شهقةٌ محبوسةٌ في قارورةٍ من ملح، تُبصرُ وجهها في الكسر، وتظنُّ أنَّ التفتتَ هو الاكتمال.
خلفَ جدارٍ من خشبٍ نخرَه السكوت، يقبعُ كائنٌ من ورقٍ جاف. أصابعهُ التي لم تلمس سوى تجاعيدِ الورق، صارت أغصانًا يابسةً تلتفُّ حولَ صمته. يحيطُ به ركامٌ من حِبرٍ بارد، ورفوفُّ تئنُّ تحتَ وطأةِ حكاياتٍ لم تتنفس. في جوفهِ، ينمو نتوءٌ مدبب، ثقلٌ يتدلّى كفأسٍ صدئة، لا هي تهوي لتقطع، ولا هي ترتفعُ لتريح. يمشي، وكلُّ خطوةٍ هي انسحابٌ من ملامحه، كأنَّ وجهه غبارُّ يتبعثرُ كلما حاولَ أحدٌ أن ينطقَ اسمه في الفراغ. هو ذاك الذي اختارَ أن يكونَ «الخيطَ السائب» في نسيجِ العالم، لا يربطُ عقدةً، ولا ينسلُّ من القماش.
وعلى تخومِ رؤيته، تهتزُّ رمالٌ حية؛ أما المرأةُ التي تمشي كأنها جُبلت من طينِ العبور، فهي لا تمرُّ، بل تمحو الطريقَ بخطواتها. جسدها ممرٌّ ضيقٌ تزدحمُ فيه اللحظاتُ الآفلة، تستهلكُ فيه النظراتِ كما تُستهلكُ الشموعُ في بيوتِ العزاء. تبيعُ الوميضَ لتشتريَ به غيابًا أعمق، وتوزعُ أثرها كعملةٍ مزيفةٍ في جيوبِ العابرين. هي الحقيقةُ التي تتبرأُ من ثوبها في كل منعطف، وتتركُ للريحِ أن تشكّلَ ما تبقى منها من هباء. تعبرُ الصدورَ كأنها طعنةٌ من حرير، تتركُ النزيفَ وتأخذُ النصلَ معها إلى المجهول.
وفي الزاويةِ التي يرفضُ الضوءُ دخولها، تنبتُ أُخرى كشجرةِ سدرٍ عتيقة، جذورها ضاربةٌ في عمقِ ما يُظنُّ أنه ماء. هي ليست موجودة، بل هي «الصدى» الذي يسبقُ الصوت. تلبسُ جلبابًا من وصايا قديمة، وتخيطُ أيامها بخرزٍ من انتظار. يراها القومُ شاقولاً لميزانهم المائل، فيرمون بأثقالهم في حماها، لا ليطهروها، بل ليجدوا عذرًا لسقوطهم الوشيك. هي “المعنى” حين يجفُّ البئر، والجهةُ التي يتجهُ إليها الضائعون ليتأكدوا أنهم لا يزالون يملكون مساراتٍ يجهلونها.
هؤلاءِ الغرباءُ، يلتقون في “نقطةِ الصفر”؛ تلك الحفرةِ التي لا تملكُ قاعًا. الرجلُ الذي تآكلت أطرافه بالتردد، يشتمُّ في ريحِ العابرةِ الأولى رائحةَ حريقٍ قديم، كأنَّ عطبهُ وجدَ أخيرًا مرآةً من لهب. وحين تقعُ عيناهُ على الساكنةِ الثانية، يرتجفُ كخريفٍ مفاجئ؛ لأنها النسخةُ التي لم يجرؤ على حلمها، والبرزخُ الذي خافَ أن يعبره، فبقيَ عالقاً في وحلِ المنتصف.
والمرأةُ التي تظنُّ أنها تهربُ من ظلها، تلمحُ في وقارِ الأخرى “فخًا” من طهرٍ لم يُختبر، فتضحكُ ضحكةً تشبهُ تكسرَ الزجاج؛ تدركُ أنَّ كلا الحقيقتينِ مجردُ غلافٍ لثمرةٍ خاوية. وتلك المقيمةُ في سكونها، تغضُّ طرفها؛ ليس ترفعًا، بل لأنها رأت في عيني الغريبةِ ثقباً أسودَ يبتلعُ كل صلواتها المكتومة.
في هذا التقاطعِ المريب، لا يوجدُ عناق، بل ارتطامٌ صامتٌ للأرواح. البيئةُ حولهم غابةٌ من مرايا مشروخة، لا تُريك وجهك، بل تريكَ “الآخر” الذي يختبئُ خلفَ جلدك.
وعندما انحنت اللحظةُ لتنكسر، همسَ الرجلُ لظلهِ المائل: «لستُ واحداً… أنا الشظايا التي توزعت في وجوههم». لكنَّ الهمسةَ لم تجد أذناً. تلاشت كبقعةِ زيتٍ في بحرٍ هائج. وفجأةً، استدارت المرايا لتواجه نفسها؛ فغاب الوجهُ وغاب الانعكاس، ولم يتبقَّ في المدى سوى رنينِ الذهول، وشعورٍ غامضٍ بأنَّ كلَّ واحدٍ منهم كان يبحثُ عن مخرجٍ من “أنا” الآخر، ليجدَ نفسَه عالقاً في وشيجةٍ لم تُحكَ بعد.