الثلج يصعد من الذاكرة

الثلج يصعد من الذاكرة

صالح مهدي محمد

اللوحة: الفنان الإنجليزي بيتر بروك

ينداحُ هذا الهباءُ اللُّجّي، لا كغلافٍ يغشى الأديم، بل كنزوحٍ قَسريّ لجوهر الفراغ؛ محوٌ مُمنهج يمسحُ ملامحَ الأشياء ويعيدها إلى بدائيتها الأولى. الصمت هنا كتلة صلدة تضغط على مسام الجدران، كأنّ المحتويات في الداخل تتوسّل لـ اللاشيء كي لا يبتلعها. وعند تلك الزاوية التي يتعثّر فيها الهواء، كانت هي؛ وتدٌ غرزه الذهول في خاصرة العتبة. ظهرها لا ينحني لوطأة سنوات، بل يتقوّس كجفنٍ يحاول إغلاق عين الحقيقة على مشهدٍ لا يُحتمل.

يدها الممدودة في هذا العَماء لم تكن جسراً، بل مِجسّاً لزمنٍ تجمّد في منتصف الصرخة. ومن بعيد، خلف ستائر الغبار الكوني المتساقط، كان العابر يراقب؛ كائنٌ لا تملكه الأمكنة، عيناه مرايا لا تحتفظ بصورة، بل ترصد التآكل. رأى العتبة بوصفها ثقباً في نسيج الواقع، نقطة تجتمع عندها الأطياف لتؤدّي طقسها الأخير. وكان يرى الكائنات تتقاطر من مسام الضباب، لا كبشر، بل كرموزٍ انفلتت من نسقٍ مختلّ، فيما الضوء ينكسر فوق جلودهم الشاحبة كاعتراف مأزوم.

ثم تفتّح غلاف المشهد عن الصبي. يجرّ حقيبته التي تئنّ بصوتِ مفاصل تُسحق، مخلفاً أثراً ينغلق فور تشكّله، كأن الأرض ترفض تدوين مروره. توقّف عند حدود ظل العجوز، ونظر إلى يدها المتكلّسة بيقين بارد.

— هل بلغتِ قاع الصبر؟

كان صوته كحفيف رملٍ فوق زجاج.

— القاع وهمٌ يا صبي. نحن نسقط في فراغٍ لا يملك أرضية. أما حقيبتك… لماذا تفوح منها رائحة بيوتٍ احترقت قبل أن تُسكن؟

شدّ الصبي قبضته على المقبض:

هذه حقيبة اللا عودة. أحمل فيها الوجوه التي نسي أصحابها استردادها من المرايا. وكلبي هو مَن يشمّ رائحة النسيان قبل أن تقع.

العابر من موقعه القصي، رأى ملامح الصبي تذوب في كثافة البياض، لتبزغ من خلفه الفتاة. وشاحها الأخضر يرفرف كراية مهزومة في ريح لا تحرّك ورقة شجر، يلتف حول عنقها كقيدٍ من حرير مسموم. تقدّمت نحو العجوز حتى امتزج زفيرها المشتعل بأنفاس الأخيرة.

— لِمَ تمدّين يدكِ لصيدٍ لا يُؤكل؟

نبرة الفتاة كانت حادّة، كالشفرة.

— أنا لا أصطاد. أنا أعرض يدي كـ مرساة لمن ضيّع سفينته. أما وشاحكِ… أهو لتدفئة عنقكِ، أم لربط رأسٍ يريد الفرار؟

ابتسمت الفتاة ابتسامة مبتورة:

هو حبل السُّرّة الذي يربطني بغابةٍ لم تُخلق. أخاف اللحظة التي أكتشف فيها أنني مجرد عُقدة في هذا القماش.

هنا انسلّت الطفلة من تحت عباءة العدم الضبابي، ضئيلة حتى بدت نقطة في نهاية جملة لم تُستكمل. تقدّمت حتى صارت تحت اليد الرخامية مباشرة، ورفعت إصبعها الصغير كأنها تحاول ثقب جدار الهواء بين الوجود والعدم.

العابر حبس أنفاسه؛ رأى الأصابع تتقدّم نحو المسافة المحرّمة.

— أأنتِ حجرٌ يتظاهر بالحياة، أم حياة تحجّرت من فرط الرؤية؟

سأل الطفلة بيقينٍ يُرعب.

ارتجّت العتبة تحت وطأة السؤال، وصاحت العجوز بصوتٍ مكتوم:

لا تلمسي! التماس يعني الانفجار. ابقي في مساحة الربّما. هذا العالم يعيش فقط لأننا لم نلمسه بعد.

وفجأة، نبح الكلب نبحةً مزّقت غشاء الرؤية.

تفتّت المشهد أمام العابر كلوحة زجاجية تهشّمت؛ الصبي غار في ثنايا حقيبته، الفتاة تلاشت في خضرة وشاحها، والطفلة انطفأت كشرارة سقطت في ثلجٍ عميق.

تحرّك العابر خطوة نحو الداخل، فلاحظ أن الثلج لا يسقط، بل يصعد من الأرض، كأنها تستفرغ ذاكرتها البيضاء لملء ثقوب الكون. كانت العتبة تهتزّ بذبذباتٍ غير مرئية، كوترٍ مجنون في آلةٍ بالية، يصدر لحناً يُحسّ به النخاع كقشعريرة كبريتية.

الكلب الذي اختفى ترك خلفه ثقباً صوتياً يمتصّ كل همسٍ متبقٍّ في الهواء الميّت، فيما انطبقت السماء على نفسها مثل كتاب تقرّر محو فصله الأخير. اليد الممدودة بدأت تفرز ضوءاً لا ينير الأشياء، بل يذيب حدودها، محوّلاً المادة إلى فكرة مرتجفة.

في تلك اللحظة أدرك العابر أن العجوز هي القفل الذي يمنع العالم من الانسكاب في الجانب الآخر، وأن السكون الذي تلا النباح لم يكن إلا خضوعاً لهيبة هذا الفراغ المحتدم.

بقيت العجوز وحيدة عند عتبتها التي لا تذوب، يدها الآن ثابتة في فضاء متحوّل، شقّاً مفتوحاً في جدار الزمن لا يُغلق. والعابر، حين أغلق عينيه ثم فتحهما، لم يجد بيتاً ولا عتبة… بل وجد تلك المسافة المُبتلعة؛ فجوة لا تُعبر ولا تُردم، فاصلة بين يد خرجت من وقتها… وأخرى لم تجد وقتها بعد.

اترك رد