اللوحة: الفنان الأميركي أرشيل جوركي
يذكر كتاب «فوات الوفيات» أن الخليفة القادر بالله خرج ليلةً يتفقد أسواق بغداد، فسمع رجلًا يقول لآخر: “قد طالت دولة هذا المشؤوم، وليس لأحد عنده نصيب.”
فأمر بإحضاره، وسأله عن حاله، فقال: كنت من السعاة، من عيون الدولة الذين يُستعان بهم على معرفة أحوال الناس، فلما تولى أمير المؤمنين أقصانا، تعطلت معايشنا، وانكسر جاهنا.
فسأله: هل تعرف غيرك ممن كان على شاكلتك؟
قال: نعم.
فجمعهم، وأجرى لهم أرزاقًا، ثم نفاهم إلى الثغور، وجعلهم عيونًا على أعداء الدولة. ثم قال: “هؤلاء قد رُكِّب فيهم شرٌّ، ولا بد لهم من تفريغه، فالأولى أن يكون في أعداء الدين، لا في المسلمين.”
لم يكن ذلك مجرد تدبير سياسي، بل بصيرة في فهم الإنسان: فليس كل ما يُرى شرًا يُستأصل، بل قد يكون طاقةً ضلّت طريقها. غير أن الفارق لا يكمن في هذه الطاقات وحدها، بل فيمن يراها على حقيقتها.
فكم من طبعٍ عُدّ عيبًا، حتى وقعت عليه عينٌ بصيرة فصار موضعًا للبناء. وهذه البصيرة لا تخص الحكم وحدهم، بل تظهر في أدق تفاصيل التربية.
***
يحكي الكاتب الفرنسي «دانيال بناك» عن أستاذٍ غيّر مسار حياته. كان تلميذًا فاشلًا، كثير الكذب، يختلق الأعذار، حتى قال له معلمه: “لديك خيال واسع… اكتب لي رواية. عشر صفحات كل أسبوع، ولا أريد منك غير ذلك.”
لم يرَ في كذبه خللًا يُقمع، بل خيالًا يُوجَّه. فلم يُطفئ النار، بل وضعها في موقدها الصحيح. وهنا لم تكن المعجزة في التلميذ، بل في المعلم الذي التقط الخيط الخفي.
***
وفي الأدب، تقدّم البؤساء صورةً أخرى للبصيرة حين تتجسد رحمةً؛ يُقبَض على جان فالجان بعد سرقةٍ، فيختار الأسقف أن يراه على نحوٍ مختلف؛ لا لصًا يُعاقَب، بل إنسانًا يمكن أن يُستعاد. فينقذه بكلمة، ويمنحه ما سرق وزيادة. لم يكن ذلك تبريرًا للخطأ، بل قراءةً أعادت توجيه حياةٍ كاملة.
***
وحكى لي صديقٌ عن ابن أخته، كان في أولى إعدادي، يُوصَف بالضعف رغم ذكاءٍ ظاهر. جلس معه لا ليوبّخه، بل ليفهمه.
وفي نظامٍ يُتساهل فيه مع الغش، ويُدفع فيه كثير من التلاميذ إلى النجاح اتقاءً لتكدس الفصول، لم يكن غريبًا أن يصل الصبي وهو يفتقد أدوات الفهم الأساسية.
لكن صديقه لم يكتفِ بلوم المنظومة، بل التقط الجذر: الخلل في القراءة. كان يتعثر في اللغة، فتتعثر معه بقية العلوم. فاتجه إلى الأصل؛ تدريب مكثف على القراءة، وتوسيع للمفردات، حتى يستقيم الفهم قبل الحفظ. فتبدل مستواه، وتبدلت علاقته بالدراسة، حتى صار من المتفوقين.
لم تكن المشكلة في ذكاء الولد، ولا في النظام وحده، بل في عينٍ لم ترَ موضع الخلل.. حتى جاءت عينٌ أبصرت.
هكذا يصنع أصحاب البصيرة أثرهم؛ لا يغيّرون طبائع الناس، بل يغيّرون مواضعها، ولا ينشئون الطاقات، بل يدلّونها على مساراتها.
***
وتتكرر الشكوى من جيلٍ يزاحم بعشرات الآلاف في حفلات «غناء ورقص ومباريات كرة قدم»، ويُتهم بالسطحية. غير أن هذه النظرة نفسها قد تفتقر إلى بصيرة.
سُئل أحد المفكرين عن هذا الزحام، فقال: لا تبالغوا في جلد هذا الجيل؛ فالنقطة الحرجة للتغيير في كل زمان لا تصنعها الجموع، بل تصنعها قلة صغيرة لا تتجاوز 2%، تُحسن توجيه الاتجاه. أما هذا الحشد، فليس دليل خواء، بل طاقة بلا بوصلة. فالشباب لا يفتقرون إلى الحماس، بل إلى الراية التي تستدعي هذا الحماس. ولو وُجدت الدعوة الصادقة، والنموذج الملهم، لسارت هذه الجموع في طريق آخر، بنفس الزخم.
فليست الجموع هي التي تصنع التحول.. بل الشرارة التي تلتقطها قلة واعية، فتغيّر اتجاه الكثرة دون أن تُجبرها.
إنهم لا يهربون من الجدية.. بل لم تُعرض عليهم كما ينبغي.
***
وهنا يظهر أصحاب البصيرة من جديد؛ يرون في الزحام قوةً كامنة، لا عبثًا ظاهرًا. إنهم لا ينظرون إلى الناس كما هم، بل كما يمكن أن يكونوا. وفي المسافة بين “ما هو كائن” و“ما يمكن أن يكون” يولد الفرق كله. فكم من إنسانٍ أطفأته أحكامٌ عاجلة، وكم من آخر أشعلته نظرةٌ واحدة.
ليست المسألة في الناس.. بل في تلك العيون القليلة التي تُبصر.
