غدوتُ ألتَحِفُ السماء.. سيرةُ اتساعٍ بعد ضيق

غدوتُ ألتَحِفُ السماء.. سيرةُ اتساعٍ بعد ضيق

اللوحة: الفنان الكندي روبرت مكافي

لم يكن ذلك الصباحُ شبيهًا بغيره.

لم تشرق الشمسُ كما اعتدنا أن نصف إشراقها، ولم يكن الضوءُ مجرد امتدادٍ للنهار، بل كان كأنّه اعترافٌ متأخرٌ من الكون بأن الإنسان، حين يضيق به كل شيء، لا يعود يطلب أرضًا أوسع… بل سماءً أقرب.

“غدوتُ ألتَحِفُ السماء”.. ليست عبارة شاعرٍ يبحث عن دهشةٍ لغوية، بل حالة وجودية خالصة؛ لحظةٌ يتحول فيها الإنسان من كائنٍ يسكن العالم، إلى كائنٍ يحاول أن يسكن المعنى. أن يلتحف السماء، يعني أن يتخلى – ولو مؤقتًا – عن فكرة الحدود. عن الجدران التي شيّدها بنفسه، وعن السقوف التي ظنّ أنها تحميه، فإذا بها تختصره.

في البدء، كان الإنسان يظن أن الدفء يأتي من الأشياء القريبة؛ من بيتٍ مألوف، من وجوهٍ يعرفها، من عاداتٍ تتكرر حتى تصبح هوية. لكن مع الزمن، يبدأ هذا الدفء بالتلاشي، لا لأن الأشياء تغيّرت، بل لأن الداخل تغيّر. لأن الروح، بعد أن جرّبت كل ما هو محدود، تبدأ بالجوع إلى ما لا يُحدّ.

وهنا، تحدث القطيعة الأولى:

يكتشف الإنسان أن ما كان يسنده، لم يكن يسنده حقًا. وأن ما كان يحميه، كان يؤجّل فقط لحظة المواجهة. فيخلع هذا الوهم بهدوء، كما يخلع ثوبًا ضاق عليه، ويخرج… عاريًا إلا من أسئلته.

“التحاف السماء” ليس هروبًا، بل مواجهةٌ على مستوى أعلى. هو أن ترفع رأسك لا لتتجاهل الأرض، بل لتراها من مسافةٍ تكشف حقيقتها. أن ترى أن الصراعات التي استهلكتك، كانت أصغر مما تخيّلت. وأن الخيبات التي كسرتك، لم تكن إلا طرقًا ملتوية نحو فهمٍ أعمق.

السماء هنا ليست فضاءً فيزيائيًا، بل رمزٌ للاتساع. للمعنى الذي لا يُختزل. للوجود الذي لا يُحاصر بتعريف. حين تلتحف السماء، أنت لا تهرب من العالم، بل تعيد تعريف علاقتك به. تصبح أقلّ تملّكًا، وأكثر إدراكًا. أقلّ اندفاعًا، وأكثر حضورًا.

في هذا التحول، يفقد الإنسان أشياء كثيرة:

يفقد يقينه القديم، حماسته العمياء، اندفاعه غير المشروط. لكنه في المقابل، يكتسب ما هو أثقل: بصيرة. والبصيرة ليست راحة، بل عبءٌ جميل. عبء أن ترى ما لا يُرى، وأن تفهم ما لا يُقال، وأن تدرك أن الحقيقة ليست دائمًا مطمئنة.

غدوتُ ألتَحِفُ السماء…

كأنني تعبتُ من البحث عن سقفٍ لا يسقط، فاخترتُ سقفًا لا يُمسك. تعبتُ من محاولة السيطرة، فسلّمتُ نفسي لاتساعٍ لا يُروّض. لم أعد أبحث عن يقينٍ نهائي، بل عن قدرةٍ على التعايش مع الأسئلة.

في هذا الاتساع، تتبدّل اللغة.تصبح الكلمات أقلّ، لكن أثقل. يصبح الصمتُ أكثر حضورًا من الكلام. لأن ما يُعاش في هذا المستوى، لا يُقال بسهولة. هناك أشياء لا تُروى، بل تُفهم فقط حين يمرّ بها الإنسان بنفسه.

التحاف السماء هو أيضًا مصالحة.

مصالحة مع الفقد، مع النقص، مع الزمن. لم أعد أرى ما فقدته كجزءٍ مني، بل كجزءٍ من طريقي. لم أعد أقاوم التغيّر، بل صرتُ أراه الشكل الوحيد للثبات. كل شيء يتبدل، وهذه هي الحقيقة الوحيدة التي لا تتبدل.

ومن هذا المنظور، يصبح الألم مختلفًا.

لا يعود عدوًا يجب القضاء عليه، بل معلّمًا يجب الإصغاء إليه. كل ألم يحمل في داخله معنىً لم يُفكك بعد. وكل جرحٍ هو نافذة، لا مجرد كسر. نافذة تُطلّ على شيءٍ في الداخل، كان يحتاج إلى الضوء.

غدوتُ ألتَحِفُ السماء…

لأن الأرض، بكل ما فيها، لم تعد تكفي لتفسير ما أشعر به. لأن الأسئلة كبرت، ولم يعد لها مكانٌ في الغرف الضيقة. لأنني أدركت أن الإنسان، في جوهره، ليس كائنًا يبحث عن إجابة، بل كائنٌ يتشكّل من أسئلته.

وفي لحظةٍ ما، يحدث الانقلاب الهادئ:

لم أعد أبحث عن معنى الحياة… بل صرتُ أعيشها كمعنى. لم أعد أطلب من العالم أن يكون عادلًا، بل صرتُ أفهم أن العدالة ليست دائمًا في النتائج، بل في الرحلة نفسها. لم أعد أنتظر أن تكتمل الأشياء، بل صرتُ أرى الجمال في نقصها.

السماء، في هذا السياق، ليست فوقي… بل في داخلي.

هي هذا الاتساع الذي يسمح لكل شيء أن يكون، دون أن يلغيه. هي القدرة على احتواء التناقض: أن تكون قويًا وضعيفًا في آن، واضحًا ومربكًا، ممتلئًا وفارغًا.

أن ألتحف السماء، يعني أن أقبل نفسي كما هي، لا كما كنتُ أريدها أن تكون. أن أتصالح مع حدودي، دون أن أتوقف عن تجاوزها. أن أفهم أن الكمال ليس هدفًا، بل وهمٌ جميل.

وفي النهاية، لا يكون “التحاف السماء” حالة دائمة، بل ومضة.لحظة صفاءٍ نادرة، يرى فيها الإنسان نفسه بوضوحٍ كافٍ ليكمل. لا ليصل، بل ليواصل.

غدوتُ ألتَحِفُ السماء.. لا لأنني وصلت، بل لأنني، أخيرًا، توقفتُ عن الهروب.

اترك رد