شعب ونجوم

شعب ونجوم

اللوحة: الفنان الألماني ماكس ليبرمان

في كتاب المفكر الصادق والواضح «جلال أمين» بعنوان «ماذا علمتني الحياة»، يقول: “لهذا كانت رؤيتنا لوجه أحد الأساتذة عن قرب، وهو سائر في بهو الكلية، أشبه برؤيتنا لوجه شخص مثل رئيس الجمهورية، أو سينمائي أو مسرحي مشهور، ممن لا نراهم عادة إلا في الصور. إذ لم نكن نرى الأستاذ إلا من مسافة طويلة؛ نحن في أعلى المدرج، وهو جالس إلى المنصة يخطب في الميكروفون، فلا نرى ملامح وجهه بوضوح، بل ولا يبدو لنا شخصًا حقيقيًا من لحم ودم.”

***

كان الأستاذ الجامعي في الخمسينيات، في أعرق جامعات مصر، كالنجم في السماء أو كنجوم الأرض، واليوم يمكننا أن نقارن منحنى هيبته ومكانته ونتساءل عن دوره وتأثيره في الطلبة: هل ما زال نجمًا بعيدًا لا يتفاعل إنسانيًا فيتلقّى الطلاب درسًا جافًا ماديًا باردًا؟ أم تحوّل – في زمن الدروس الخصوصية والتعليم الاستثماري – إلى مدير دعاية وإعلان؟ قد يقترب من الطلاب، خاصة في جامعات القطاع الخاص، لكنه اقتراب من نوع آخر؛ اقتراب للتسامح في الدرجات والمساهمة في إدارة عجلة الكليات الخاصة لإنتاج شهادة لكل من يضخ ماله في خزينتها. شهادة برسوم، ونفق استثماري تدخله طالبًا وتخرج منه حاملًا شهادة ولو بعد حين. إعادة؟ ادفع. تأجيل؟ ادفع. ولا بأس، فليطمئن “الطالب المواطن”: الشهادة مضمونة وقريبة بعد الدفع مرة ومرات قليلة، وهكذا أصبحت عقدة العجز عن الشهادة من التاريخ.

***

الميزة الأعظم في كتب «جلال أمين» أنه يشبه طفل الأسطورة؛ ذلك الذي نظر بدهشة حين رأى الملك يسير في موكبه بين الناس عاري الظهر والصدر، يتباهى بملابسه المتوهّمة أمام شعبه المنافق والخائف، فكان الطفل – بحريته وبراءته – الوحيد الذي صرخ: “انظر يا أبي.. الملك عارٍ!” وهذه الصرخة يطلقها «جلال أمين» في سطور كتبه، ولهذا فهو مفكر نادر، سلاحه الصدق، وأداته الشجاعة، ولغته الصراحة.

***

كان حديثه عن أساتذة بدوا في أعين طلابهم نجومًا في برج عاجي، لكن ماذا حدث اليوم؟ ازدحمت السماء بالنجوم حتى كاد الظلام يختفي، وتحولت إلى بساط متلاصق من الأضواء تبهر العيون وتُعميها. ظاهرة مدهشة: كل حين، ولسبب لا نعلمه—أو نعلمه ولا نستطيع البوح به—يصعد بشر إلى السماء ويجاورون النجوم، ونحن قاعدون مذهولون.

***

هناك انشطار خطير في المجتمع المصري: طبقة وسطى كانت تمسك التوازن تتلاشى، وقاعدة تهبط بلا حدود، وقمة تصعد بلا سقف، حتى صار المشهد شعبًا يهبط إلى قاع المكانة وينظر إلى قمة بعيدة لامعة تدير المشهد بالريموت من أعلى، تلعب بشعوبها ألعابًا ماتعة، ونحن قاعدون.

***

لكن الحقيقة الأكثر قسوة.. أن الأستاذ لم يسقط وحده. الطالب نفسه تغيّر. لم يعد يطلب العلم.. بل يطلب “الحد الأدنى للنجاح”. لم يعد يسأل: كيف أفهم؟ بل: ماذا سيأتي في الامتحان؟ صار شريكًا في الصفقة: يدفع.. فيُعفى من القلق، ويحصل على شهادة بلا معرفة. لم يعد ضحية كاملة.. بل طرفًا في عقد غير مكتوب: “ادفع أقل جهد ممكن.. وخذ أعلى نتيجة ممكنة.”

***

هل أبالغ إن قلت إننا أصبحنا “نجومًا” داخل المبنى الواحد؟ نمرّ بجوار بعضنا كإلكترونات بلا اصطدام، ولا نلتقي إلا عند أزمة: مياه تتسرّب إلى الجار السفلي، أو مصعد يتعطّل، أو مشكلة عابرة كتحرّش مراهق بابنة الجيران. احتكاك سريع ثم ينتهي كل شيء، ويعود كل “نجم” إلى شقته ليُحكم إغلاق بابه.

***

ماذا حدث للمصريين؟ حتى هذا السؤال ليس جديدًا، إنه عنوان قديم للمفكر «جلال أمين».

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد