زينب السجيني.. غفوة أخيرة في حضن النيل

زينب السجيني.. غفوة أخيرة في حضن النيل

اللوحة: من أعمال الفنانة التشكيلية زينب السجيني

فقدت الساحة الفنية المصرية منذ أيام رائدة من رائدات الفن التشكيلي، رحلت الفنانة التشكيلية زينب السجيني يوم الثلاثاء 7 أبريل 2026م، عن عمر يناهز السادسة والتسعين عاماً تاركة إرثا فنيا مميزا أثرى الحركة التشكيلية في مصر.

رحلت تلك الفنانة التي لم تكن ترسم بالفرشاة قدر ما كانت تغزل بالحب خيوطا تربط بين ملامح الناس ودفئهم على اختلاف مشاربهم في الحارة المصرية، هكذا وصفت أعمالها في أحد لقاءاتها بأنها خليط من الطبيعة الروحية التي تستمد مصدرها من الأيقونات القبطية والمنمنمات الإسلامية. رحلت تاركة خلفها صمتا موحشا، وفراغا لا يملؤه إلا صدى ضحكات الأطفال المختبئة بين ثنايا لوحاتها، الأطفال الذين لم يكفوا يوما عن الركض في تلك اللوحات.

ولدت الفنانة زينب السجيني في القاهرة عام ١٩٣٠، ونشأت بين أحياء الظاهر والحسين والجمالية، فحملت في وجدانها ملامح المدينة القديمة وحواريها، وعمارتها الإسلامية، فقي طفولتها كانت تسير من حي الضاهر إلى الحسين؛ حيث بيت جدّها، وتمر على منطقة النحاسين، فترى صُناع الأواني، وتراقبهم وهم يترنمون ويوقعون بمطارقهم أنغامهم الخاصة أثناء العمل، ثم تمر على شارع المعز وترى عمارته الإسلامية فتترجمها لفلسفة بصرية خاصة، ووجوه الناس البسيطة التي كانت مصدر إلهام لم يغادر الذاكرة، وبابا مفتوحا على الجمال والأصالة. 

تخرجت السجيني من كلية الفنون الجميلة عام ١٩٥٦، ثم من المعهد العالي للتربية الفنية عام ١٩٥٧، والذي حصلت منه على الدكتوراه في فلسفة الفن عام ١٩٧٨، وتولت منصب رئيس قسم التصميمات بكلية التربية الفنية جامعة حلوان. 

لكنها لم تكن محض أكاديمية تحمل ألقابا، بل فنانة لها أسلوبها الفريد المعبر عن الطبيعة البشرية، وتبرز في لوحاتها رؤيتها الخاصة للمرأة والطفولة والبيئة الشعبية المصرية، فقد ارتبط مشروعها الفني بفكرة الأمومة بوصفها قيمة وجودية؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي لا تكاد تخلو لوحة لها من حضور المرأة، أو الفتاة الصغيرة، في لقطات حياتية مختلفة، فحرصت أن تكون المرأة، ذلك الطير المحلق في مجتمع لا يهتم بوجوده أو معاناته، محور أعمالها، فأعطتها المساحة الكبرى منها، حتى أصبح ذلك مثار اهتمام وتساؤل من النقاد والرواد والمهتمين بأعمالها: لماذا كل هذا الاهتمام بالمرأة؟ ولماذا تخلو عوالمك من الرجال؟ فكانت تجيب: المرأة هي مرآة الروح، ومخزن الحنان، وهي أصل الحكاية، وأن تركيزها عليها ليس موقفاً ضد الرجل، بل هو انحياز للفطرة الإنسانية في أن الأم والطفل هما جذور الحياة، وهي ترى أن المرأة العربية قد أهدرت جوانب كثيرة من حقوقها الإنسانية، وحقها في الحياة الكريمة، والاحتفاء بدورها في المجتمع. وهي تؤكد دائما على هويتها المصرية من خلال لوحاتها التي ترسم فيها النيل والجبال والشواطئ المصرية. وعن تكرار الرموز الشعبية مثل العروسة القماش والحمام والبيوت القديمة، وصفت هذه الثيمات بأنها ليست محض رموز، بل هي نسيج متكامل يمثل مصر كما رأتها وانصهرت في داخلها.

كانت زينب السجيني تؤمن بأن الفن استعادة للروح، وأن لحظة الإمساك بالفرشاة، محاولة لالتقاط جوهر الإنسان قبل ملامحه، وربما لهذا السبب ظل عالمها الفني يحتفظ بقدر كبير من العفوية والحميمية، حتى في أكثر لحظاته شاعرية. 

زينب السجيني قيمة فنية وإنسانية نادرة؛ حملت في أعمالها نبض الحياة وصدق التجربة، وامتد عطاؤها لأجيال من الفنانين، وبرحيلها يفقد الفن التشكيلي صوتا من أبرز أصواته النسائية وأكثرها إخلاصاً للتجربة الإنسانية، لكنها تركت إرثا خالدا سيبقى شاهدا على عمق تجربتها، ومؤكدا أن الفن الحقيقي يظل حيا رغم غياب أصحابه.


الفنانة التشكيلية زينب السجيني

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد