اللوحة: الفنان الفلسطيني رائد القطناني
ماهر باكير دلاش

في الصورة، لا يقف رجلٌ مسنٌّ على أرضٍ عابرة، بل يقف تاريخٌ متجسد، يحمل ما لا يُرى بقدر ما يُرى. عصاه ليست خشبًا فحسب، بل امتدادُ زمنٍ تعلّم الاتكاء على الصبر، وظهره ليس منحنيًا من تعب الجسد، بل من ثِقل ما حمله من الآخرين.
الجذع الذي يجرّه ليس شجرةً سقطت، بل ذاكرةٌ اقتُلعت، لكنها لم تمت. تتشابك فيه الأيدي كأنها أجيالٌ لم تفلت من قبضة الأرض، وكأن كل يدٍ تقول: لم نكن عابرين، بل كنّا هنا، في عمق التراب، قبل أن تتبدل الأسماء وتُعاد كتابة الحكايات.
الوطن، في هذا المشهد، ليس رقعةً تُرسم على خرائط، بل علاقةٌ عضوية بين الإنسان وأصله. جذورٌ لا تُرى، لكنها تشدّ الخطى، حتى حين يظن المرء أنه يسير بعيدًا. فكل خطوةٍ إلى الأمام، هي في حقيقتها التفافٌ خفيٌّ نحو البداية.
هذا الرجل لا يهرب، ولا يبحث عن نجاةٍ فردية؛ بل يحمل ما تبقى، كمن أدرك أن البقاء لا يكون بالخفّة، بل بالثِقل النبيل. ثِقل الانتماء، وثِقل الذاكرة، وثِقل أن تكون شاهدًا لا شاهِدَ زور.
إنّ الأوطان لا تُفقد حين تُؤخذ الأرض، بل حين تُنسى الجذور. وحين تتحول الذاكرة إلى رفاهٍ فكري، لا إلى ضرورة وجود. هنا، في هذا السحب البطيء للجذع، تتجلّى مقاومةٌ صامتة: مقاومة النسيان، لا مقاومة العدو فقط.
فالجذور، مهما اقتُلعت، لا تموت بسهولة؛ إنها تعيد تشكيل نفسها في الوعي، في اللغة، في الحنين، وفي كل موقفٍ يرفض أن يكون الإنسان بلا امتداد.
ولهذا، فإن أعظم ما يحمله الإنسان ليس ما فوق الأرض، بل ما تحتها… حيث تختبئ الحقيقة الأولى:
أن من له جذور، لا يمكن أن يكون ضائعًا، حتى وإن بدا الطريق بلا نهاية.
غير أن هذا المشهد، في عمقه الأبعد، لا يتوقف عند حدود الحنين، بل يتجاوزها إلى سؤالٍ أشد قسوة:
هل نحن نحمل الجذور… أم الجذور هي التي تحملنا؟
فالرجل، وهو يمضي، لا يبدو وكأنه يجرّها فقط، بل كأنه يُساق بها أيضًا؛ كأن الماضي، رغم ثقله، يرفض أن يكون وراءنا، بل يُصرّ أن يكون معنا، في كل خطوة، في كل قرار، في كل تعريفٍ لأنفسنا. وهنا تتجلّى المفارقة: نحن نظن أننا نملك الذاكرة، بينما الحقيقة أن الذاكرة هي التي تملكنا.
والوطن، حين يُختزل في شعار، يفقد روحه؛ لكنه حين يُعاش كجذر، يصبح قدرًا لا خيارًا. قدرٌ لا يُفرض بالقوة، بل يتسرّب في الدم، في اللهجة، في تفاصيل الحياة الصغيرة التي لا تُرى، لكنها تُشكّل كل شيء.
إنّ الأيدي المتشابكة في الجذع ليست مجرد رمزٍ لمن مضوا، بل هي أيضًا تحذيرٌ لمن بقي:
أن الانفصال عن الأصل ليس تحررًا، بل فقدانٌ للمعنى.
وأن من يقطع جذوره بيده، لا يزرع نفسه في أرضٍ جديدة، بل يعلّق وجوده في فراغ.
ومن هنا، يصبح السؤال الوطني سؤالًا وجوديًا:
كيف نحفظ الجذور دون أن نُقيّد المستقبل؟
وكيف نمضي إلى الأمام دون أن نترك أنفسنا خلفنا؟
لعل الجواب لا يكمن في الاختيار بين الماضي والحاضر، بل في القدرة على حملهما معًا، كما يفعل هذا الرجل: لا يُنكر الثِقل، ولا يتخلّى عنه، بل يمضي به، وكأنه يقول إن الطريق، مهما طال، لا يُقاس بخطوات القدم، بل بعمق الجذور التي تسير معنا.
وفي النهاية، لا يكون الوطن مكانًا نعود إليه، بل معنى لا نغادره أبدًا.