عزلة “الجد البركة”

عزلة “الجد البركة”

اللوحة: الفنان الإنجليزي فريدريك مورجان

في جلسة عائلية لطيفة، جلستُ أستمع من ابنتي إلى ملاحظاتٍ على مقالٍ كتبتُه. أعجبني ما قالت، وحين انتهت المناقشة قلتُ لها، وأنا لا أخفي دهشتي: “لماذا لا تكتبي هذه الآراء تعليقًا على مقالتي؟”  

نظرت إليّ وكأنني اقترحتُ عليها القفز من الشرفة، وقالت: “هو أنا اتجنّنت؟” 

سألتها: “ليه؟”  

قالت بهدوءٍ حاسم: “اللي يعلّق لك بكلمة.. تردّ عليه بمائة كلمة. وساعتها يبقى هو الجاني على نفسه.”  

حدّقتُ فيها نظرةً تُطلق بريق الدهشة، وقلتُ دون وعي: “يا بنت الإيه؟” 

ففهمت النظرة قبل الكلمة، فسارعت تستعطفني: “بابا.. أبوس إيدك ما تكتبهاش.”  

.. وبقية القصة معروفة.

***

حين يتقدّم السن بالإنسان، يثقل قليلاً أو كثيراً في التزامه وسلوكه داخل أسرته وفي المجتمع، وهذا أمرٌ طبيعي؛ فثقل الروح يتزامن – شاء أم أبى – مع ثقل الجسد، وعصيانه، وتراجعه خطوة بعد خطوة.  

ولا يخلو بيتٌ اليوم من أحفاد، ولهذا وجب الاحتراس. فكل منطوقٍ يصبح غالي الثمن، وربما فادح العواقب. الأحفاد يملكون قدرة مذهلة على الملاحظة والترويج، بلا حدود، لكل خطأٍ يُرتكب أمامهم. وأمام أي شخص، أو في الحضانة، تسمع الراعية “المِس” الطفل يقول ببراءةٍ قاتلة: “جدي قال.. جدي عمل..”  

وحين انفلتت من فمي كلمة “حمّام”، انطلقت صفارات الإنذار من أفواه أبنائي وبناتي: لم يعد حمّام، بل “تويلت”، و”بي بي”، و”بوتي”، وخيرات لغوية أجنبية أخرى لا تنتهي.  

وحين أمسكتُ بالمقص لأهذّب شاربي أمام المرآة، صرخت حفيدتي لتُبلّغ عني: “الحقّي يا ماما.. شوفي جدو بيعمل إيه!”  

أقف مذهولاً، لتقول ابنتي – وتُسمع حفيدتي عمداً –: “كده غلط يا جدو، المقص خطر، ممكن يجرحك.. ما تعملش كده تاني.”  

أُبدي ندمي فوراً، وأرتدي ملامح الذنب، وأتظاهر بأنني نسيتُ هذه المعلومة الجوهرية في تاريخ البشرية، ثم أقول بصوتٍ عالٍ وأنا أنظر إلى حفيدتي: “آسف.. نسيت.. مش هعمل كده تاني.”  

.. والأدب حلو.

***

وآهٍ من معركة تعويد الطفل على الجلوس في دورة المياه، والتحرّر من “البامبرز”! كانت مسرحيةً جماعية، لكل فردٍ فيها دور.  

أما دوري، فكنتُ أدخل الغرفة رافعاً يدي في انتصار، معلناً بفرحٍ طفولي أنني نجحتُ في الجلوس على القاعدة. يُصفّق الجميع، هاتفين: “شاطر يا جدو!” 

يمثّل كلٌّ منا دوره بإخلاص، فقط لتحفيز الطفل على الاستقلال. وحين يمرض الطفل، وحين تنبت أسنانه، وحين ينطق، وحين.. وحين.. وحين.  

عنايةٌ واحتفال لا يتركان ثانية بلا رصد. وحينها كثيراً ما أتساءل: من كان على حق؟ أجيالُنا التي لم تلتفت لكل هذه التفاصيل، أم جيل اليوم الذي لا يفلت منه شيء؟

***

حدثت لي تجربة مدهشة مع أحفادي: سافر الزوج، ومكثت معي ابنتي سنتين، يتخللهما فترات قصيرة يعود فيها زوجها ثم يرجع إلى عمله في بلاد الغربة. كنتُ ملازماً للحفيدين طوال الوقت: طعام، شراب، مرافقتهم إلى الحضانة ذهاباً وإياباً، والخروج في عربة الأطفال للتنزه. هذا النشاط المستمر ضيّق كثيراً على طقوسي اليومية التي كانت تقتصر على القراءة والكتابة، فشتّت تلك الطقوس، وأصبح الجلوس إلى جهاز الكمبيوتر محرّماً، خاصة بعد أن كسر حفيدي الشاشة حين جلس إليها، هذا فضلاً عن تحطيمه نظارة القراءة مرات عديدة.  

رغم ذلك، كنتُ سعيداً معهم وحريصاً على سلامتهم وسعادتهم. ومضى العامان، وحدث ما لم أكن أتوقعه، بل عكس توقعاتي: فقد نشرتُ خلالهما ثلاثة كتب ثرية وعميقة. فالصحبة المستمرة، والخروج معهم، حفّزتني على التأمل والتفكير، وفي كل مرة أعود بهم من الخارج كنتُ أسرع لكتابة الأفكار التي خلصتُ إليها قبل أن أنساها.  

قبل مجيء أحفادي، كنتُ متفرغاً، لكن قلّ نشاط التفكير بالمقارنة مع القراءة، مثل الطعام الكثير بلا هضم مكافئ. أحفادي كانوا سبب هذا الخيال والإنتاج الخصب.  

وها قد سافروا وتركوني، وسعدتُ بحرية الجلوس إلى الكمبيوتر ووضع كل أشيائي في مكانها دون خوف من اعتداء الحفيد، وحزنتُ شوقاً وحنيناً إليهم. هكذا الدنيا..

***

أجلس وسط أولادي وأحفادي، أضحك حين يضحكون، وأهزّ رأسي حين يتحدثون، لكن داخلي يظل ساكتاً؛ كأن بيني وبينهم جداراً زجاجياً شفافاً: أراهم ولا أصل إليهم.  

أسمع حديثهم عن الدنيا الجديدة: كلمات لم أعرفها، وأشياء لا أفهمها، وسرعة لا أستطيع اللحاق بها. أشعر أنني أبطأ من اللازم، وأثقل من اللازم، وأنني وقعتُ – دون أن أشعر – في فخ العزلة. عزلةُ من لا يعرف أحداً، ولا يتقن لغة أحد. كأن لغتي صارت سراً مستغلقاً، لا يعرف شفرته سواي، ولا يرغب أحد في تعلّمه.  

أجلس بين الأولاد والأحفاد، وفوق رأسي لافتةٌ غير مرئية كُتب عليها: “الجد البركة”.  

“إزيك يا بابا؟ منوّر الدنيا يا جدو. ربنا يخليك لينا.”  

“شاركنا كلامنا، ونوّرنا بمشورتك.”  

أبتسم لهذه اللعبة التي لم يملّوها، بينما سئمتُ أنا تكرارها. أجلس، أستمع، أتكلم، أقول رأيي.. ثم أخرج من الحوار مدركاً أن فهمي الطفولي – في نظرهم – لا يرقى إلى خبرتهم بالناس والوجوه ومكنون الصدور. كيف أميّز بين من يضغط على حرف السين بشفتيه، أو بعينيه، أو بيديه؟  

تصدمهم سذاجتي، وتدهشهم براءتي، وقلة خبرتي.. لأني “بتاع كتب وكتابة”.

***

وأثناء اندماجي في سلسلة وثائقيات عن الحملة الفرنسية، أو تاريخ الصين، يسألني أولادي بدهشةٍ حقيقية: “هو إحنا هنستفيد إيه من نابليون أو الصينيين؟” 

أعجز عن الشرح. فبعض الأشياء، مهما حاولت، لا تُشرح. أكتفي بنظرةٍ زائغة، وأتلقى نظرةً صامتة تترجم بوضوح: “خليك في دنيتك.”  

وهكذا، أظل حاضراً بينهم جسداً، وغائباً لغةً.  

لستُ وحيداً.. لكنني معزولٌ مع سبق الإصرار والترصّد.

اترك رد