اللوحة: الفنان الألماني فيليكس شليزنجر
ماهر باكير دلاش

لم تكن الجدةُ في ذلك البيت الطينيّ مجردَ امرأةٍ تُعدُّ الخبز وتُرتّب الفوضى اليومية، بل كانت نظامًا كونيًا صغيرًا، تدور حوله تفاصيلُ الحياة كما تدور الكواكب حول شمسٍ لا تغيب. كانت تُسمّى “الحجّة حبسة”، لا لأن اسمها وحده يكفي، بل لأن حضورها كان حُجّةً قائمةً على الزمن، ودليلًا حيًا على أن العطاء لا يحتاج إلى ضجيجٍ ليُثبت نفسه.
كان الذي ربّته—ذلك الطفل الذي لم يكن يملك من العالم سوى دهشته—يرى فيها شيئًا يتجاوز المعنى المباشر للقرابة؛ كان يراها كأنها الجدار الأخير الذي يسند سقف الوجود حين تميل الأيام. لم تكن تُكثر الكلام، لكنها كانت تُتقن الصمت كما لو أنه لغةٌ أخرى، لغةٌ لا يفهمها إلا من تربّى بين يديها، حيث كانت الإشارةُ تغني عن العبارة، والنظرةُ تُقيم مقام الخطب الطوال.
في الصباح، كانت توقظه لا بصوتٍ عالٍ، بل بلمسةٍ خفيفةٍ على كتفه، كأنها تعيد خلقه من جديد. وفي المساء، كانت تجمع ما تبقّى من يومه المتعب، وتخبّئه في دعائها، وكأنها تُعيد ترتيب العالم من أجله وحده. لم تكن تعرف شيئًا عن الفلسفة، لكنها كانت تمارسها ببساطةٍ مذهلة؛ كانت تُدرك أن الوجود ليس ما يُقال، بل ما يُعاش، وأن التربية ليست تعليمًا بقدر ما هي صبرٌ طويلٌ على تشكيل إنسان.
الحجّة حبسة لم تكن تقرأ الكتب، لكنها كانت كتابًا مفتوحًا، صفحاته مجعّدةٌ من كثرة ما مرّ عليها الزمن، لكن حروفه لا تزال واضحةً لمن يُحسن القراءة. كانت تُعلّم أن الكرامة لا تُشترى، وأن الفقر ليس عيبًا، بل أحيانًا مدرسةٌ خفيةٌ تُخرّج أعظم القادرين على احتمال الحياة. كانت تُطعم قبل أن تأكل، وتُعطي قبل أن تُسأل، وكأنها تؤمن أن البركة لا تنزل إلا على يدٍ تعرف طريقها إلى الآخرين.
ذلك الذي ربّته لم يكن يعلم حينها أنه يتلقى درسًا عميقًا في معنى “الوجود مع الآخرين”. لم يكن يدرك أن كل لقمةٍ وضعتها في فمه، كانت تضع معها جزءًا من روحها، وأن كل ليلةٍ سهرت فيها على مرضه، كانت تكتب سطرًا جديدًا في كتابٍ لن يُنشر، لكنه سيبقى محفورًا في ذاكرته إلى الأبد.
كان العالم خارج بيتها صاخبًا، مليئًا بالتناقضات، لكن داخل ذلك البيت كانت هناك بساطةٌ تشبه الحقيقة حين تتجرّد من الزيف. كانت تُصلح ما أفسده الآخرون دون أن تُشير إليهم، وتُرمّم ما كسره الزمن دون أن تشتكي منه. كانت تؤمن—بطريقتها الخاصة—أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يتركه في قلوب الآخرين.
وحين كبر ذلك الطفل، بدأ يكتشف أن كل ما ظنّه عاديًا، كان استثنائيًا إلى حدّ الإدهاش. أدرك أن الحُجّة حبسة لم تكن فقط من ربّته، بل من أعادت تشكيله، قطعةً قطعة، حتى صار قادرًا على الوقوف في وجه العالم دون أن يسقط. أدرك أن فضلها لم يكن في الأشياء الكبيرة فحسب، بل في التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة، لكنها في الحقيقة تُشكّل جوهر الإنسان.
كانت تُخفي تعبها كما يُخفي الليل نجومه خلف الغيم، وتُظهر قوتها كما لو أنها لم تعرف الضعف يومًا. لم تكن تبحث عن الامتنان، لأنها كانت أكبر من أن تنتظر مقابلًا. كانت تفعل ما تفعل، لأنها ببساطة… هي كذلك.
ومع مرور الزمن، لم تعد الحجّة حبسة مجرد ذكرى، بل أصبحت فكرةً، رمزًا، حالةً إنسانيةً خالدة؛ أصبحت الوطن حين يضيق الوطن، والأمان حين يتسع الخوف، والمعنى حين تتكاثر الأسئلة بلا إجابة.
إن الذي ربّته لم يفقدها حين غابت، لأنه يحملها في تفاصيله: في طريقته في النظر إلى الحياة، في صمته حين يضيق الكلام، وفي قدرته على العطاء دون انتظار. لقد أصبحت داخله، لا كذكرى، بل كامتداد.
وهكذا، لم تكن الحجّة حبسة امرأةً عابرةً في حياة طفل، بل كانت الحياة نفسها، حين قررت أن تتجسّد في هيئة جدة… لتُثبت أن بعض الناس لا يمرّون بنا، بل يُقيمون فينا إلى الأبد.