التأمل.. فعل الوعي وولادة الحكمة

التأمل.. فعل الوعي وولادة الحكمة

اللوحة: الفنان المغربي عبد الرحيم فشتالي

ليس التأمل ترفًا ذهنيًا، بل ضرورة إنسانية تُستدعى بها الحكمة. فنحن لا نعاني من فقر المعلومات، بل من فقر الزمن الذي نمنحه للأفكار كي تهبط ببطء إلى أعماقنا، وتُهضم بهدوء بعيدًا عن الضجيج.

***

في حوارٍ لجمال الشاعر مع نجيب محفوظ، سأله: لماذا لا تذهب إلى عملك بالسيارة بدل المشي؟

فضحك محفوظ وقال: “وهل هناك عاقل يستطيع المشي ثم يركب عربة؟” ثم أضاف، كمن يضع خلاصة موقف كامل من الحياة: “المشي هو المتعة الباقية لي”.

لم يكن الحديث عن وسيلة انتقال، بل عن فلسفة غير معلنة: أن ما يختصر الطريق قد يختصر المعنى، وأن ما يسرّع الوصول قد يسرق المتعة والحكمة معًا.

***

هذا المعنى نفسه، هو الذي جعل ابن خلدون يحيّر الباحثين عبر القرون؛ فكيف يكتب مقدّمة تُعدّ من أعمق ما أُنجز في فهم الاجتماع والعمران، ثم يدوّن كتابًا ضخمًا في التاريخ لا يختلف كثيرًا عن كتب عصره، ولا يطبّق فيه نظريته التي صاغها في المقدّمة؟

بلغ الجدل حدّ أن بعضهم نسب المقدمة إلى «إخوان الصفا». لكن تفسيرًا ذكيًا قرأته ومالت إليه نفسي يقول: إن ابن خلدون حين كتب المقدمة كان محدود المصادر، فلم يكن أمامه سوى التأمل العميق والحفر في القليل المتاح، فخرج النصّ مشبعًا بالحكمة.

أمّا حين صار في موقع يفيض بالكتب والوثائق، انشغل بالتجميع وترك التأمل، فجاء كتاب التاريخ مثل غيره: أخبارٌ تُرصّ في صفحات، على أمل أن يأتي من يتأملها لاحقًا.

***

خلاصة قصة نجيب محفوظ وابن خلدون واحدة: أن التأمل هو أثمن العمليات الإنسانية التي تُستدعى بها الحكمة. فالإنسان يتناول طعامه في دقائق، لكنه يهضمه في ساعات طويلة بصمت وانتظام. وكذلك المعرفة: لا قيمة لها بلا هضم، ولا حكمة بلا تأمل.

***

ولعل ما حدث مع «نيوتن» لا يخرج عن هذا السياق. فالرجل لم يكتشف قانون الجاذبية لأن تفاحة سقطت أمامه؛ فالتفاح كان يسقط منذ بدء الخليقة دون أن يُنتج قانونًا. ما حدث أن نيوتن، في سنوات عزلته القسرية بسبب الطاعون، امتلك ما نفتقده اليوم: زمنًا صافيًا للتأمل.

رأى التفاحة كما رآها غيره، لكنه لم يتركها تمرّ. توقف عندها، وسأل السؤال الذي لا يُطرح في العجلة: لماذا تسقط التفاحة إلى الأرض؟ وإذا كانت الأرض تجذب التفاحة، فلماذا لا تجذب القمر فيسقط؟

هنا جاءت القفزة الذهنية التي لا تولد إلا في التأمل: القمر يسقط بالفعل، لكنه يسقط حول الأرض لا عليها، والقوة نفسها التي تشدّ التفاحة إلى أسفل، هي التي تمسك بالقمر في مداره.

في هذا الربط الهادئ بين ما هو قريب وما هو بعيد؛ بين الأرض والسماء، وُلد قانون غيّر نظرتنا إلى الكون. لم تكن العبقرية في التفاحة، بل في منح الفكرة زمنها الكافي لتعمل في الداخل حتى تكشف عن وحدتها الخفيّة.

***

ونستطيع أن نرى انعكاسًا مشابهًا في تجربة إبراهيم عليه السلام، كما جاء في قوله تعالى: «وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين» (الأنعام – 75)، فإبراهيم، بتأمله العميق في الكون، لم يكتف بالمشاهدة السطحية، بل وصل إلى يقين داخلي، يشبه اليقين الذي يولده التأمل الصادق في الفكر والحياة.هنا يتلاقى العلم والدين، التجربة الشخصية والوعي الروحي.

***

ولعل من أعمق ما يكشف جوهر التأمل، تلك القرابة اللغوية الخفيّة بينه وبين الأمل؛ فالكلمتان تنحدران من جذر واحد، لكنهما تسلكان اتجاهين مختلفين في المعنى؛ الأمل فعلُ الزمن؛ اندفاع النفس نحو ما لم يأتِ بعد، وتعليق القلب على مستقبلٍ مؤجَّل. أمّا التأمل فهو فعلُ الوعي؛ إبطاء الخطوة، وردّ هذا الاندفاع إلى الداخل، ومساءلة ما نرجوه قبل أن نستسلم له.

كأن اللغة العربية تقول لنا: إن الأمل بلا تأمل استعجالٌ قد يُنضِج الوهم، وإن التأمل هو الأمل بعد أن مرّ بمصفاة الوعي، فصار أصدق، وأقرب إلى الحكمة، وأقلّ عرضة للخيبة.

***

المشكلة إذن ليست في كثرة ما نقرأ، بل في استعجالنا الدائم، وفي تكديس المعلومات دون منح الفكر والخيال والوجدان زمن الحفر الهادئ فيها. وقد أدركتُ هذا المعنى بوضوح من خلال تجربة شخصية لم أكن أخطط لها.

حين عدت من العمل بالخارج للاستقرار في مصر، قلّ خروجي وانصرفت للقراءة وتدوين الخواطر، وبعد عامين ونصف خرج كتاب بعنوان «دوائر بلا أسنان»، مع شعور دائم بندرة الأفكار.

ثم طرأ ما ظننته عائقًا: إقامة ابنتي معي بعد ولادتها، وامتلاء يومي بالحفيدين، وذهابًا وإيابًا إلى الحضانة، وتنزّهًا شبه يومي، وصعوبة حقيقية في الجلوس إلى الكمبيوتر.

كنت أعتقد أن الكتابة ستتراجع. لكن ما حدث كان أقرب إلى المفاجأة الخلدونية – المحفوظية: قلّ التدوين، وكثر التأمل. وخلال هاتين السنتين خرجت بثلاثة كتب أعدّها من أنضج ما كتبت: «أرواحنا في المساء»، «ارتباك القيم»، و«العطس في طبق الحياة».

حين تأملت الأمر، أدركت أن الحركة اليومية مع الأطفال كانت تمنح الأفكار زمنها الطبيعي كي تنضج؛ أقرأ، ثم أمشي، وأراقب، وأترك الفكرة تعمل في الداخل، وحين أعود أسارع بتسجيل حصاد هذا التأمل قبل أن يتبدّد.

***

لهذا لم تكن فترات العزلة والتبتّل ورعي الغنم التي رُويت عن الأنبياء طقوسًا بلا معنى، بل تدريبًا عميقًا على الإصغاء، ومساحة ضرورية لولادة الحكمة.

أزمتنا اليوم أننا نستهلك المعرفة كما نستهلك الوجبات السريعة: نأكل كثيرًا، ونهضم قليلًا. فتمتلئ العقول، وتفرغ المعاني.

التأمل.. هو فعل المقاومة الأخير، وهو الذي يسمح للفكرة بأن تتعمّق في الداخل، فتولد حكمة تدوم، تمامًا كما تولد النظرية الكبرى من التفاحة البسيطة، أو كما يولد المعنى العميق من لحظة صمت ووعي، أو كما يتبلور اليقين في قلب المؤمن الباحث عن الحقيقة.

اترك رد