قطع الليل المظلم

قطع الليل المظلم

اللوحة: الفنانة الكندية روبرتا موراي

محمد محمود غدية

“إلى من لون حياتي بلون ورائحة الورد، وداعا.. ألقاك في مكان يغمره النور حيث لا ظلام.

أمسك برسالتها التي دستها بين الأوراق فوق مكتبه، الألم والحيرة يكتسيان وجهه، هو من روع الطير، وجعله يحلق بعيدا، بعد أن أوجد له فرصة للهرب وابتعاده.

دونها شعرَ بأنه كهل عجوز، شح بصره ويعيش الوحدة، هي من وهبته عين جديدة، ليرى بها نور الدنيا، تباطأت دقات قلبه، حتى خيل اليه، أنه يسمع ضجيج وصراخ رحيلها، وهو يئن بين الضلوع، تلاشى الضجيج والصخب، ولم يبق شيء سوى ذلك السكون المطبق.

أين من كانت في طهر الندى، وصفاء الفجر؛ نعم يقولها للأحصنة التي تصهل في داخله: أنا الخاسر الأكبر

كيف تحولت لمعة عينيه الى نظرة باردة، كأنه ناهض من نوم، أو ماض الى نوم، ويمضي غير منتبه لما حوله.

الواحة التي كانت مطمئنة، عصفت بها ريح عاتية، وتجمعت في الآفاق سحب سوداء، عجبا لهذا الرجل المتبعثر كالأشلاء، والمتمزق كقطع الليل المظلم،حصونه تنهار والقلب خواء، التقاها منذ أعوام ثلاث، ونقلها من قسم الوارد في شركاته، الى مديرة مكتبه، لما تتحلى به من صفات الخلق الرفيع،والشباب النضر، أشبه بسراج يزيح القتامة، لأول مرة يترقرق فوق لسانه الشعر.

صار يجلس بالساعات في مكتبه، معها يثمل دون شرب، كيف احتملت أسلاك الهاتف الدقيقة، كل هذا الزلزال، وطوفان الحب واللهفة؟

متزوج ولديه طفلان، كتب لها شقة مؤثثة فاخرة في حي راق، مهر زواجهما العرفي المؤقت، بعد أن وعدها بتحويله الى زواج شرعي بعد عام، وقد مرت أعوام ثلاث، دون أن يتبدل شيء، فقط لا أولاد لا إفشاء سر زواجهما.

حين طالبته بالوفاء بوعده، صرخ رافضا: أنه لم يتخلى عنها وإعلان زواجه سيهدم البيت والأولاد، وأن حبه لها لم ولن يغادره أبدا، وأن زواجهما أشبه بالحبل السري الذي يربطه بكل ما هو جميل ونبيل وكريم في الحياة.

تركته الى بيت أسرتها، ليعيش بعدها الوحدة والمجاعة الروحية، التي تعتصره كل يوم.

النيران التي كانت تبعث الدفء في أوصاله، باتت تحرقه في غيابها، وكأن شمس حياته أذنت بمغيب.

اترك رد