اللوحة: الفنان العراقي فؤاد حمدي
بخطواتٍ وئيدة، يسير في الحقل كأنه خرج للتوّ من بقعةٍ محترقة في الذاكرة. كانت الريح تدفع الأعشاب الطويلة للانحناء، بينما ظلّه يتأخر عنه قليلًا، كأنه يرفض مرافقة جسد لا ينسجم مع الطريق. لم يدرِ لماذا اختار هذه الأرض تحديداً، ربما لأنها تشبه الفراغ الذي يسكنه منذ أعوام؛ مساحة شاسعة لا يحدث فيها شيء سوى اهتزاز الضوء فوق العشب، ورتابة الزمن.
في الأفق، بدت التلال باهتة ومرسومة بخطوطٍ متعبة، كأنّ السماء قد استنزفت تفاصيلها. أما هو، فبدا من بعيد لطخةً سوداء تتحرك وسط شحوب المدى؛ بقعته الخاصة من الليل التي يحملها أينما ذهب. فجأة، تسمّر في مكانه؛ اعتصره شعور بأنّ عيناً ما تراقبه. التفت حوله، فلم يجد غير دوائر غامضة رسمتها الريح في الفراغ. واصل السير، وكلما توغل في قلب الحقل، تلاشت ملامحه وصار جسده أقلّ وضوحاً، كأنه يذوب في الضباب.
حين بلغ منتصف السهل، لاح له سوادٌ يشبه شجرةً محترقة. اقترب بحذر، لتتجلى الصدمة: لم تكن شجرة، بل رجلاً يقف ساكناً بوقارٍ جنائزي. رجل يشبهه تماماً، كأنّ الظل قد تمرد، سبقه إلى هنا، وانتظره طويلاً لينهي هذه اللعبة.
تجمّد الدم في عروقه، وبينهما، اندلع حوار خافت بمرارة اللقاء:
- “هل أنتَ الحقيقة التي هربتُ منها، أم مجرد وهمٍ نسجتهُ الغربة؟”
أجاب الآخر بصوتٍ يشبه حفيف الورق:
- “أنا الجزء الذي بترتهُ من روحك حين قررتَ أن تسير بلا ذاكرة.”
همس بصوت مرتعش:
- “لكنني اخترتُ النسيان لأنجو.. لماذا تلاحقني في هذا العراء؟”
ردّ الظل بيقينٍ بارد:
- “النسيان لا يمحو الأثر، إنه يجعل الطريق أكثر وحشة فحسب. لا أريد سلبك شيئاً، جئتُ لأستعيد مكاني.. فقد حان وقت الاكتمال.”
تراجع خطوة، لكنّ الأرض لم تعد تسعفه. ارتجفت الأعشاب، وامتدت الخطوط حول الجسدين كدوائر ماءٍ ألقي فيها حجر الوعي. بدأت ملامح السائر تتلاشى، بينما كان الرجل الآخر يزداد كثافةً ووضوحاً. شعر بجسده يُسحب منه كما يُسحب الحبر من ورقة مبللة. حاول الصراخ، لكنّ صوته ظلّ عالقاً في حنجرته كطائرٍ ذبيح.
وفي تلك اللحظة الخاطفة، انقشع الضباب عن الحقيقة: لم يكن يبحث عن طريق، بل كان يمضي في موعدٍ مقدّر ليلتقي ذلك الظل الذي انفصل عنه ذات انكسار. اقتربت الهيئة منه، خطوة واحدة فقط، ثم عبرته بهدوء كأنها دخان يمرّ عبر نافذة مفتوحة.
اختفى كل شيء. تلاشت اللطخة السوداء، ولم يبقَ في الحقل سوى الأعشاب، تنحني تحت ريحٍ باردة لا تحفظ أسماء العابرين، ولا تبالي قط بمن اندثر.