اللوحة: الفنان المصري صلاح عناني
(الفيلم الذي أخفى مصر داخل جامعة)
لا يوجد عمل كامل، فالكمال لله وحده. وهناك أفلام عظيمة، يمكن، لو أردنا، أن نمزقها إربًا تحت عدسة النقد. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل في العمل ثغرات؟ بل: هل يملك رغم هذه الثغرات ما يستحق البقاء؟ وهنا تأتي قيمة فيلم «مرجان أحمد مرجان».
الحبكة الرئيسية في الفيلم ضعيفة فعلًا، بل وربما شديدة الهشاشة. فكرة أن مرجان يدخل الجامعة لينال احترام أبنائه تبدو مفتعلة وغير مقنعة. رجل بهذه السلطة والنفوذ والثروة، تصبح مشكلته الأساسية أنه لا يحمل شهادة جامعية؟ ثم إن الأبناء أنفسهم يختزلون احترامهم له في ورقة أكاديمية!
وفوق ذلك، يحصل مرجان على الشهادة بالغش تقريبًا في كل المواد، باستثناء المادة الأخيرة، مما يضعف قيمة الرحلة نفسها.
لكن المفارقة أن هذه الحبكة الضعيفة حملت الفيلم كله على كتفيها، لأنها كانت البوابة التي أدخلتنا إلى عالم الجامعة، ومن خلالها تكثفت بعض من أبرع مشاهد وحيد حامد وأكثرها قسوة وصدقًا.
منذ البداية يظهر “الشاي بالياسمين” لا كإفيه لطيف، بل كرمز كامل لشراء الضمائر.
الفساد هنا لا يدخل بالصراخ والعنف، بل بالذوق والمجاملة والمصلحة الصغيرة. رشوة ناعمة، مهذبة، معطرة، يتذوقها الجميع ثم يعتادونها، حتى يصبح الفساد نفسه جزءًا من الذوق العام.
ثم يأتي مشهد: “لقد وقعنا في الفخ”. وهو واحد من أقسى مشاهد الفيلم؛ الطالب الموهوب الذي سحقته الواسطة، والناس حوله موزعون بين:متعاطف عاجز، وبائع لضميره، ولص محترف يشرب الشاي بالياسمين دون تأنيب. أما الضحية، فتنهار تحت أقدام ديناصور المال، بينما الجميع يشاهد.
وفي مشهد مرجان مع رئيس الجامعة يشرح الفيلم، ببراعة مخيفة، كيف كانت تُدار مصر لسنوات طويلة: مكان للمحجبات، موظفون بملابس حرس للتعامل مع المظاهرات، قاعة ديسكو، وكل التناقضات محشورة داخل سور واحد.
الفكرة هنا ليست الجامعة، بل المجتمع كله: كيف تُدار التناقضات لا لتُحل، بل لتنشغل بنفسها. كيف تُترك الجماعات تتصارع داخل القفص نفسه، بينما يبقى “زيتنا في دقيقنا”، وتظل السلطة فوق الجميع، تدير الفوضى أكثر مما تدير الناس.
ومن أذكى لحظات الفيلم أيضًا مشهد صلاة مرجان ودعائه لشفاء ابنته، وهو يستخدم المنطق الوحيد الذي يعرفه: الرشوة.
يتصدق لله كما يرشو البشر. والمشهد لا يبدو متناقضًا كما ينبغي، لأننا تربينا طويلًا على فهم ديني مشوش، يرى العلاقة مع الله وكأنها معاملة تجارية حرفية: ادفع أكثر، تربح أكثر.
وفي حواراته مع الدكتورة التي أدتها ميرفت أمين تظهر واحدة من أخطر أفكار الفيلم: أن كل ما يرتديه الناس ويشربونه ويتنفسونه تقريبًا يخرج من مصانع مرجان وأمثاله.
المسألة هنا تتجاوز فساد رجل أعمال؛ إنها صورة لعبودية حديثة لا تُرى. عبودية لا تقوم على السوط، بل على الاحتياج الكامل. الجميع مربوط بالشبكة نفسها: المثقف، والأستاذ، والعامل، والطالب، وحتى من يظنون أنفسهم أحرارًا.
ومن ينطق أحيانًا بالحقيقة، لا يجد من يفهمه، لأن نموذج العبودية القديم ما زال يسيطر على خيال الناس، بينما العبودية الجديدة أكثر نعومة وشمولًا.ولهذا كان من الذكاء أن يُظهر الفيلم هشاشة الجميع تقريبًا.
المثقف نفسه يمكن إزاحته بالإغراء. خطيب الدكتورة، رغم وعيه وثقافته، يُشترى بالطريقة نفسها. وكأن الفيلم يقول إن الثقافة وحدها لا تعصم الإنسان من ضعفه، لأن الغرائز والمصالح كثيرًا ما بقيت معزولة عن التربية والتعليم.
حتى الشاب المتدين الفقير، لا يقدمه الفيلم باعتباره شريرًا أو منافقًا، بل هشًا ومضطربًا. ويبدو التدين هنا، عند كثيرين، محاولة للهروب إلى الأمام أكثر منه رحلة عميقة نحو المعنى؛ ثرثرة طويلة عن الحلال والأخلاق، تقف مهزومة أمام أول صدمة حقيقية مع الواقع.
والفيلم يقترب كذلك، بجرأة نادرة، من العلاقة المضطربة بين الشباب والبنات داخل الجامعة. لا يطرح حلًا مباشرًا، لكنه يلمح إلى أن كثيرًا من الانفلات ليس إلا ابنًا طبيعيًا للكبت الطويل، ولمجتمع ترك قضايا الاختلاط والتربية النفسية والاجتماعية حبيسة خطاب واحد، وأقصى عنها علم النفس والاجتماع والفلسفة والتاريخ.
ثم يواصل مرجان توسعه: يسيطر على النشاط الرياضي، والفني، والجامعة، والانتخابات، والثقافة، وحتى الأدباء الذين يشتري أعمالهم بملاليم ثم يحتقرهم.
وهنا يبلغ الفيلم ذروته: الفساد لم يعد استثناءً، بل صار اللغة الأسهل والأكثر فهمًا بين الجميع. صار مثل السكين في الزبدة؛ يتحرك بسلاسة داخل المجتمع، لأن المناخ نفسه أصبح مهيأ له.
أما مشهده في مجلس الشعب، فهو من أعظم مشاهد الفيلم وأكثرها صراحة. لا يخفي الرجل فساده، بل يشرحه بثقة المنتصر، لأن المجتمع كله أصبح يعرف القواعد غير المعلنة للعبة ويشارك فيها بدرجات مختلفة.
ولهذا أعتقد أن الفيلم، رغم ضعف حبكته الأساسية، عمل تاريخي فعلًا. ليس لأنه كامل، بل لأنه التقط شيئًا حقيقيًا جدًا عن المجتمع المصري والعربي في تلك المرحلة: كيف يتحول الفساد من سلوك معيب إلى مناخ عام، وكيف يصبح المال لغة، والنفوذ ثقافة، والهشاشة قدرًا مشتركًا بين الجميع.
ولا شك عندي أن تعاون عادل إمام مع وحيد حامد سيظل واحدًا من أكثر التحالفات إضاءة في تاريخ السينما المصرية.. رحم الله وحيد حامد، ووهب السلامة لعادل إمام.
