اللوحة: الفنان العراقي أمانج أمين
هذا الكتاب تسبب في وجع معدتي لا قلبي.
أتذكر مقالًا لـ يوسف إدريس تحدث فيه عن الأعمدة الصحفية في الغرب وأمريكا، قال فيه ما معناه إن العمود الصحفي هناك لا يُمنح لكاتب لأنه مشهور أو عبقري، بل لأن المقال نفسه يستحق النشر. فلا توجد مساحة مقدسة باسم الكاتب، بل مساحة يحكمها مستوى ما يُكتب. القارئ هناك يُحترم، ولهذا لا يُقدَّم له إلا ما يستحق القراءة.
تذكرت هذا الكلام وأنا أقرأ كتاب «قلبك يوجعني» لـ أنيس منصور، لأنني شعرت طوال القراءة أنني أبحث عن جملة حية وسط ركام طويل من الكلمات.
كانت قراءتي لكتب الأعمدة الثابتة دائمًا تشبه طبقًا ضخمًا من الثريد، تتناثر داخله قطع لحم بحجم الحمصة، وبعدد أصابع اليد الواحدة، ويحتاج القارئ إلى جهد حتى يعثر عليها.
والسبب في رأيي أن الفكرة الحقيقية لا تولد بالأمر الإداري، ولا تنضج بموعد المطبعة.
الفكرة لها زمنها الخاص؛ قد تنضج في لحظة، وقد تحتاج أعوامًا كاملة. أما العمود الثابت فيطلب من الكاتب أن يلد في موعد محدد، سواء اكتمل الحمل أم لم يكتمل.
الأمر يشبه أن يُقال لامرأة: أنجبي مولودًا كل أسبوع وسوف تحصلين على مرتب ثابت.
مجرد إحساس الكاتب أن عليه واجبًا ثابتًا، وأن هناك مساحة ينبغي ملؤها كل صباح أو كل أسبوع، يجعله مرتبكًا مثل شخص يسير وهو يراقب خطواته، أو يتنفس وهو يعد أنفاسه. فالكاتب حين يتحول إلى موظف، يبدأ خوفه من الفراغ قبل شغفه بالحقيقة.
ولهذا أظن أن كثيرًا من كتاب الأعمدة الثابتة كانوا سيصبحون أكثر ثراء وعمقًا لو تُركوا لحرية الإلهام والقراءة والتأمل، لأن الكاتب في لحظات الحرية قد ينتج أكثر عددًا، ولكن بفكر ناضج وصور أصيلة، لا بكلمات تُكتب فقط لأن موعد التسليم اقترب.
ومن هنا بدأت أرى أن أزمة العمود الثابت ليست أزمة صحافة فقط، بل جزء من عقلية اجتماعية كاملة.
في مصر لدينا ميل دائم إلى تثبيت الأشياء قبل نضجها، وكأننا شعب يضع العربة أمام الحصان.
لدينا «أبناء العاملين»، و«الإيجار القديم»، والتثبيت الأبدي في الوظيفة، والمساحة الثابتة في الصحيفة، وكأن المجتمع كله يخاف الحركة والتجدد، ويبحث عن الضمان قبل الاستحقاق.
نحن أحيانًا نعطي الامتياز أولًا، ثم ننتظر بعد ذلك أن يولد الإبداع وحده.
الأستاذ الجامعي يصل إلى الدكتوراه بعد سنوات طويلة من البحث والسهر، ثم ينتهي به الأمر إلى تكرار نفس المذكرات وبيعها عامًا بعد عام، وكأن الرحلة الطويلة انتهت إلى وظيفة آمنة لا إلى عقل أكثر حرية وبحثا عن الحقيقة.
والموظف ينتظر قرار التثبيت لا ليبدع، بل ليطمئن إلى أن خروجه أصبح مستحيلًا تقريبًا، وكأن الأمان عنده أهم من الحيوية نفسها.
حتى العمود الصحفي الثابت يدخل في نفس الفكرة؛ فالكاتب يحصل على المكان الدائم قبل أن توجد الفكرة الضرورية للكتابة.
أتذكر هنا ما كتبه أحمد أمين في كتاب فيض الخاطر حين حكى أنه تناول طعامًا ثقيلًا، فرأى الدنيا سوداء، ثم تناول فوارًا للهضم فعادت الدنيا بيضاء مريحة، فقال متعجبًا: «رحماك اللهم، إن كان درهم من دواء يغيّر وجه العالم هكذا، فأين الحق؟».
هذه القصة تكشف كيف يتأثر المقال اليومي لا بالفكرة وحدها، بل أيضًا بمزاج الجسد والنفس والصداع والضجر. فالكاتب المطلوب منه أن يسلّم مقالًا مهما كانت حالته، سوف يسكب اضطرابه الشخصي فوق الورق.
قرأت في شبابي أجزاء كثيرة من فيض الخاطر لأحمد أمين، وكانت عادتي أن أنقل ما يعجبني إلى مذكرة خاصة بي، وفوجئت أنني أنهيت الجزء الأول تقريبًا دون أن أنقل إلا القليل جدًا.
وبعد عشرات السنين عدت إلى بعض الأجزاء مرة أخرى، فوجدت أن كثيرًا من الفصول قائم على تلخيص ما يقرأه الكاتب من أفكار وشخصيات وتيارات: مرة عن الشيخ محمد عبده، ومرة عن التصوف، ومرة عن الأفغاني، ومرة عن النهضة الأوروبية والفلسفات الغربية، حتى بدا لي بعض الكتاب وكأنه يحمل عنوان: «قرأت لك».
وهذا مفيد ثقافيًا بلا شك، لكنه جعلني أدرك أن ضغط العمود الثابت يدفع الكاتب أحيانًا إلى التلخيص والترجمة أكثر من دفعه إلى استخراج عصارة نفسه الخاصة.
ومع ذلك ظل الفارق واضحًا حين قرأت كتاب أحمد أمين «حياتي»، فهناك شعرت بحرارة الروح وصدق التجربة وهدوء الحكمة، لأن الرجل كان يكتب بلا مطاردة يومية من موعد المطبعة.
الفرق كبير بين كاتب يكتب لأنه امتلأ، وكاتب يكتب لأن الصفحة ما زالت فارغة.
الفكرة تشبه الطعام؛ فهي لا تنضج دفعة واحدة، بل تتراكم في الأعماق ببطء حتى تخرج على الورق ناضجة ومريحة للعقل.
أما ضغط الزمن، فكثيرًا ما يخرج الأفكار نيئة، مثل طعام غير مكتمل النضج، يوجع المعدة بدل أن يغذي الجسد.
