مي وجبران.. قصة حب على أجنحة الرسائل

مي وجبران.. قصة حب على أجنحة الرسائل

اللوحة: مي زيادة بريشة جبران خليل جبران

في ليلة من ليالي القاهرة الساهرة عام 1912، جلست الأديبة الشابة ” مي زيادة” في صالونها، تقلب الصفحات الأخيرة من رواية “الأجنحة المتكسرة” لجبران خليل جبران. كانت نبضات قلبها تتسارع مع كل سطر يخطه قلم ذاك المغترب القابع في نيويورك، أعجبتها شاعريته ورقته، لكن فكرها المتمرد ثار على بعض أفكاره حول الزواج والتحرر. أمسكت بريشتها، وبكثير من اللباقة والذكاء النقدي، خطت رسالتها الأولى إليه، وألقتها في البريد العابر للقارات، دون أن تدري أنها ألقت بقلبها في رحلة بلا عودة.

خلف ضفاف الأطلسي، حلقت الرسالة، لم تكن كباقي الرسائل التي تأتيه من هنا وهناك؛ فقد وجد فيها وجيب قلبه، ومرآة فكره، والمرأة الحلم التي تفهمه دون عناء، ومنذ تلك اللحظة، وعلى مدار تسعة عشر عاماً، صار البريد هو النبض المشترك بين روحين يفصل بينهما عالم كامل، وتجمعهما الكلمات.

أسراب الرسائل المهاجرة

مرت سنوات والرسائل تسري بينهما كنسائم تحملها أمواج المحيط، ست سنوات من (1912 – 1918) بدأت فيها الآراء عقلانية، رصينة، لا تتعدى تبادل النقد والفلسفة وشؤون الفن والمجتمع، فوطدت بينهما روابط فكرية مدهشة، حتى أصبحت مي الناقد الأول لجبران؛ يرسل لها مسودات روائعه مثل “النبي” و”المواكب” ليأخذ رأيها قبل النشر.

لكن الحبر لا يمكنه كتمان حرارة المشاعر التي سرعان ما بدأت تتسلل بين السطور، فتحولت رسائلهما بعد عام 1920 إلى بوح عاطفي شفيف وعميق، وأصبح كل منهما ينتظر رسالة الآخر بشغف يعوضه عن عزلته.

كان جبـران يسمي حبه لها “الحب الأزرق” ربما متيمنا بصفاء السماء، وزرقة البحر الذي حمل رسائلها إليه، وربما لإنه الحب الروحي الخالص المنزه عن قيود المادة، وربما لأنه كان حبا هادئا راسخا متسللا إلى شغافه كما الماء دونما استئذان، فإن أفلح في العبور، اجتاحك كموج هادر حتى إذا غمرك أصبح بردا وسلاما يشبه برد الأزرق وسلامه، لكن مي، بترددها الشرقي المحافظ، كانت تخشى هذا الاندفاع وتخاف أن تفقد تفرّد هذه العلاقة، فكان يجيبها مستغربا: “تقولين لي إنك تخافين الحب.. لماذا تخافينه يا صغيرتي؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين نور الفجر؟ أتخافين مجيء الربيع؟ لماذا تخافين الحب؟ “ لكنها استسلمت في النهاية لهمس مشاعرها، وكتبت له ذات يوم: “أنا أعرف أنك محبوب، وأعرف أن هناك من يكتبن إليك، ولكني أريد أن أكون الوحيدة التي تكتب إليها وتثق بها وتجد في حديثها السكينة”. “أتمنى أن يأتي يوم نتحدث فيه بلا ورق وبلا حبر.. إنني أتحمل الغربة، وأتحمل وعثاء الحياة، لأنني أعلم أن هناك روحاً في هذا العالم الشاسع تصلي من أجلي، وتفهمني وتسمع دقات قلبي من وراء البحار، أتدري؟ إنني أخافك، وأخاف سطوتك على فكري، ولكنني في نفس الوقت لا أريد الشفاء منك.”

وهو الذي أحبها في ثقة من رآها ملهمته ونصفه الذي هجره في الشرق، وتوأمه الروحي، يجيبها بيقين الصوفي: “أنتِ تعيشين فيّ، وأنا أعيش فيكِ.. نحن نعلم ذلك دون أن نراه، ونشعر به دون أن نلمسه”

صراحة ومكاشفة

طوال رحلة تواصلهما، جمعتهما صراحة مطلقة مبنية على مكاشفة حقيقية. كان جبران يرى في مي الوحيدة التي يمكنه أن يظهر أمامها ضعيفاً، مريضاً، أو حتى أنانيا، دون خوف من الأحكام المسبقة، يقول في إحدى رسائله: “أنتِ تشفقين عليّ، وأنا أحتاج إلى إشفاقكِ.. إن في نفسي وعكات لا يبرئها إلا حديثي معكِ، وفي عقلي شكوك لا يطردها إلا فكركِ.. يا مي، أنا رجل غريب، يعيش في بلاد غريبة، ويمشي بين ناس غرباء، فلا تضنّي عليّ برسائلكِ، لأنها الشيء الوحيد الذي يربطني بالحياة الجميلة.”

“ما أهوَن ما يكتبه الناس يا مي، وما أشد اختلافه عما يضطرب في صدورهم!

عندما ألوذ بالصمت، وأجلس وحدي في هذه الغرفة الكئيبة، أشعر فجأة بأنكِ جالسـة قبالتي، وأن يدكِ الصغيرة ممدودة نحو يدي.. إن بين روحي وروحكِ قرابة لا يمكن أن تفصمها المسافات، ولا يمكن أن يمحوها الغياب.”

غيرة المحبين وقطيعتهم

وعلى الرغم من ذلك، لم تسلم هذه العلاقة من الغيرة والغضب، ففي القاهرة، كان صالون مي يعج بكبار أدباء العصر كالعقاد والرافعي وأحمد لطفي السيد وغيرهم ممن أفاضوا عليها غزلا وحبا. 

وعندما بلغت الأخبار جبران، وطال صمت مي وانشغلت عنه، أرسل إليها جبران رسالة معاتبة قاسية، مليئة بالمرارة والغيرة، تسببت في قطيعة مؤقتة، لكن الشوق كان أقوى، فعاد جبران ليعتذر برقة بالغة قائلاً: “اعذري قسوتي، فما هي إلا قناع يرتديه عجزِي الصارخ أمام طيفك الذي لا يفارقني”.

وفي المقابل، كان جبران يعيش تمزقا من نوع آخر في نيويورك بين امرأتين؛ ماري هاسكل، المرأة الأمريكية التي كانت تدعمه ماليا وثقافيا وتعيش معه تفاصيل يومه الملموسة، ومي زيادة التي كانت تمثل له الوطن، والروح، والدفء الذي يهرب إليه من صقيع الغربة وماديتها، والمفارقة أن جبران كان يكتب لمي عن مشاعره تجاه ماري، وفي نفس الوقت يكتب في مذكراته لماري هاسكل عن مدى تعلقه بمي!

لكن، السؤال الذي مازال يطل برأسه كلما مر ذكرهما: لماذا لم يلتقيا قط؟ لماذا بقيت هذه الشعلة الزرقاء تضئ حياتهما في فضاء الخيال؟

أقدار أم اختيار؟

لقد تضافرت الأقدار لتصنع هذا الحرمان الممتد؛ فجبران في سنواته الأخيرة أصبح جسداً واهناً ينهكه المرض، فقد حبسه السل في صومعته بنيويورك، وبات حتى محض تفكيره في السفر مستحيلا، ومي كانت مكبلة بواجباتها العائلية ورعاية والديها في القاهرة، فضلاً عن صالونها الأدبي الذي صار قبلة الشرق، غير أن خلف الكواليس سببا أعمق؛ إنه الخوف العميق من انكسار الحلم. لقد بنى كلاهما للآخر تمثالا من نور فوق غمام المكاتيب، وربما خشيا أن يفسد اللقاء الواقعي سحر هذه اللوحة المكتوبة، وأن تذوب الأسطورة بمجرد المواجهة. 

وفي عام 1931، انطفأ نجم نيويورك، فارق جبران مصطحبا الملاذ الروحي الوحيد لمي، بعدما عانى كثيرا في الأيام الأخيرة من حياته. عندما اشتد عليه المرض ودخل مستشفى “أورلاندو” في نيويورك، كان يعلم أن نهايته قريبة، وقيل إن من بين أواخر وصاياه لشقيقته ماريانا، كان تذكيرها بمي، وكيف أن رحيله سيكسر قلبها. وبالفعل، أرسلت ماريانا رسالة لمي بعد وفاة جبران تخبرها فيها برحيله، وتقول لها إن جبران ظل يذكر “الشرق ومي” حتى رمقه الأخير، وكتبت مي بعد وفاته تنعى نفسها وتنعاه، موثقة حجم الصدمة والحزن الذي اقتات على روحها حتى اغتالها: 

«قادَني إِلَيكَ قَدَر.. وَسَرَقَكَ مِنيَ آخَرْ.. 

وَبَينَ القَدَرَينِ

فَقَدتُ قَلبِي.»

وتزامنت هذه الصدمة مع رحيل والديها (والدها عام 1929 ووالدتها عام 1932)، لتجد نفسها في مهب ريح عاتية من الوحدة والانعزال والاكتئاب، والاتّهام بالجنون، قادها حزنها إلى عتمة “العصفورية”،(مستشفى الأمراض العقلية في لبنان) بعد أن اتهمها بعض أقاربها بالجنون طمعاً في إرثها، لتسلم روحها وحيدة في القاهرة عام 1941.

لكن هذه العلاقة تُوجت أدبياً في كتاب “الشعلة الزرقاء”، وهو كتاب يضم ما قُدر جمعه من الرسائل التي أرسلها جبران إلى مي زيادة، حيث فُقدت أغلب رسائل مي لجبران أو بقيت لدى ورثته ولم تنشر كاملة. هذا الكتاب يعد اليوم من عيون أدب الرسائل في الثقافة العربية، لما يحتويه من فيض مشاعر بليغة وتأملات فلسفية في الحياة والموت والحب.

مي وجبران قصة حب عذري

إن علاقة مي زيادة وجبران خليل جبران واحدة من أغرب وأجمل العلاقات الأدبية والإنسانية في التاريخ الحديث؛ فهي قصة حب عُذري عابرة للقارات استمرت نحو 19 عاما (منذ عام 1912 وحتى وفاة جبران عام 1931)، والمفارقة المدهشة فيها أنهما لم يلتقيا وجهاً لوجه أبدا. كانت الرسائل الورقية هي الجسر الوحيد الذي ربط بين قلبين يفصل بينهما المحيط الأطلسي، مي في القاهرة، وجبران في نيويورك.

علاقة أثبتت أن الكلمة قد تكون أحياناً أقوى من اللقاء الواقعي، وأن الأرواح تتلاقى وتتحد بالرغم من المسافات. لقد عاشا معاً حياة كاملة من الحب، العتاب، الفكر، والجنون الأدبي، دون أن يلتقيا ولو لمرة واحدة.

علاقة مي وجبران تظل دائما مصدرا للإلهام والدهشة؛ فكلما تعمقنا في سطور رسائلهما، نكتشف كيف يمكن للغة أن تبني جسوراً من العاطفة والفكر تتحدى المسافات والزمن.

ماذا لو قدر لهما أن يلتقيا؟ أو أن يعيشا عصر صيحات التكنولوجيا وفضاءات التواصل الاجتماعي؟ هل ثمة أحداث أخرى كانت ستحدث، ربما ساقت مصيرهما في طريق غير هذا الطريق؟ وحولت النهاية لمسار آخر؟


مي زيادة (1886-1941) أديبة ورائدة من رواد مدرسة الديوان. وُلدت في الناصرة عام 1886. أتقنت تسع لغات: العربية، والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية والإسبانية واللاتينية واليونانية والسريانية. أمُّها سورية ووالدها إلياس زيادة من متصرفية جبل لُبنان في سوريا. وَقفت عام 1913 في خطابٍ في الجامعة المصرية، لإلقاء كَلمة جبران خليل جبران نيابةً عنه في تَكريم الشاعر خليل مطران، وفي نهايةِ الكَلمة وَجّهت الدَّعوة لِعقد صالون أدبي في مَنزِلها، فانعقد الصالون في 24 أبريل 1913 واستمر كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع، لها دَور بارز في الدِّفاع عَن حُقوق المَرأة، تُوفيت في 17 أكتوبر 1941 في القاهرة وعمرها 55 عاماً.

جُبْران خليل جُبْران (1883 – 1931) شاعر وكاتب وفيلسوف ورسّام، من أدباء المهجر، ولد في بلدة بشري زمن متصرفية جبل لبنان في سوريا، هاجر، صبيًا مع عائلته إلى الولايات المتحدة، وبدأ مسيرتهُ الأدبية باللغتين العربية والإنجليزية. يعتبر من رموز عصر نهضة الأدب العربي الحديث ورموز الشعر النثري. اشتهر بكتابه النبي الذي صدر عام 1923، وعُرفَ بالشاعر الأكثر مبيعًا بعد شكسبير ولاوتسو، وتُرجمَ «النبي» إلى أكثر من 110 لغات. توفي في 10 أبريل 1931 وعمره 48 عاماً؛ بسبب مرض السِل وتَليُف الكَبِد، وقد تمنى أن يُدفن في لبنان، وتحققت أُمنيته عام 1932، حيثُ نقلَ رُفاته إليها، ودُفنَ هُناك فيما يُعرَف الآن باسم «متحف جبران».

رأيان على “مي وجبران.. قصة حب على أجنحة الرسائل

  1. مرحبا بعودتك وعودة نبض قلمك ياصديقي.
    الرسائل فن لا يعرف جماله إلا من اقترفه، فهو ذنب حلو، وشهده مر.
    الجميل أنك تكتشف من خباياه روح أصحابه وسماتهم.
    شكرا لمرورك الباهي.
    حنان

  2. حنان عبد القادر
    النيل هي، بكل حنان الدنيا.
    مر زمن لم أكتب فيه اليكِ…
    والآن- أقول: شكرا لهذه الإبداعية الغارقة بالمحبة – شكرا…
    ولي تجربة مع أدب الرسائل مع الشاعرة والأديبة آمال عواد رضوان
    وربما كل كلمة في المقال تعود لنا.
    هكذا على الأقل كلمة المقدمة للعراقي- علوان السلمان- عن الرسائل
    وعن مي زيادة وجبران-
    (كتاب الرسائل الذي صدر/ بعنوان- أتخلدني نوارس دهشتك؟)
    شكرا للمبدعة حنان- شكرا… وهيب

اترك رد