انطفأ مصباح البيت

انطفأ مصباح البيت

اللوحة: الفنان النمساوي إيغون شيلي

محمد محمود غدية

ابتسامتها تسقي جفافَ الروح، سُكَّرُها زيادةٌ يتحاشاها مَرضى السكَّر. الصبحُ يستمدُ من وجهها الإشراقَ والضياءَ. غمرت كلَّ من حولها بالحنان، وغَرست الزهورَ في أرض لا ينفع فيها الزرع، فأينعت وأزهرت. لها قدرةٌ مدهشةٌ على امتصاص التعب والقلق، والربت بحنوٍ بالغٍ على المشاعر.

يغالبُ دمعةً حبيسةً أصرَّت على السقوط. في غيابها زحفت الظلمةُ وتمددت واكْتَسحت الروحَ. يشعر بتعاسةٍ لا حدَّ لها. لم يَعُدْ يرى في عينيها بحارًا من اللؤلؤ، وشموسًا من الدفء. يتلفتُ حوله، يلمسُ جفافَ الأشياء بجانبه.

هو أكبر الأبناء، والأكثر التصاقًا بحضنها. كان حين يُبَلِّلُه المطرُ، يلجأ إلى الاختفاء تحت معطفها. تَربتُ عليه، تُهَدْهِدُه بين ارتعاش الشفاه واصطكاك الأسنان. لا يخلدُ إلى النوم إلا إذا أمدَّته بالدفء. ما الذي يجعل الحزنَ عاجزًا عن الرحيل؟ لا شيءَ سوى بضع آياتٍ يحفظُها عن ظهر قلب، تُهَدِّئُ من رَوْع الغياب. عطرُها الممزوجُ بالزعتر والمسك يَخترق كلَّ ما يلقاه ويَصْرَعُه. مشتاقٌ للدفءِ من كَفَّيْها، وللضياءِ من عينيها. كيف تُقْنِعُ روحًا بالعودة بعد رحيلها؟

مارست الموتَ وحدها، دون أن تُشْرِكَ أحدًا معها. عامٌ كامل وبضعة أشهر وهي تتوجعُ وتتألمُ وتنتحبُ في صمت. قالت للأولاد: أنها وجدت عملًا يتناسب مع خبرتها في الترجمة، لشغل الفراغ الذي تعيشه بعد رحيل زوجها. تستقبل الحياةَ بروحٍ طيبةٍ مرحةٍ. تحرِصُ كلَّ الحرصِ ألَّا تدمع عيناها، حتى لا يَراها الأبناءُ في انكسارها، وهي التي منحتهم الأجنحةَ القويةَ المعينةَ على التحليق. يموتُ منها جزءٌ كلَّ يوم. كلُّ شيءٍ من حولها باهتٌ، يحيط به هالةٌ من ضبابٍ مصغرٍ منذ أن تسلل إليها ذلك المرضُ البغيضُ الذي لا شفاءَ منه. اخترعت العملَ الذي لا وجود له، حتى لا يسأل الأولاد: أين تذهب كلَّ صباح؟

تمتدُّ على سرير الوجع في المستشفى، تأخذُ جرعةَ الكيماوي الذي يمنحها بعضَ حياة. سقط منها الشعرُ الذي أخفته خلف باروكةٍ مستعارة، وهي لا تعوِّضُ أبدًا الفقدَ. لم تمتدَّ يدُها إلى نقود الأولاد التي تركها الزوج بعد رحيله، وصانت الأمانة. باعت الخاتمَ وأساورَ الذهب والعقدَ، هديةَ عيد زواجها، واستبدلتهم بذهبٍ صينيٍّ رخيص، حتى لا يستشعر الأبناءُ غيابَ الذهب. تضع على وجهها كميةً من المساحيق لتخفي شحوبَ الوجه. يخذلها الموتُ ولا يأتي سريعًا كما تتمنى. هي أشياء لا يدركها المرء.

تفردُ أجنحتها، تأخذُ الأبناءَ والأحفادَ في حضنها، ترتاحُ لدفء مشاعرهم، وتكبحُ دموعها. كيف لروحٍ نابضةٍ أن تمارس الموت؟ لديها طاقةٌ من الصبر والتجلُّد لا يقدر عليها أحد. سنواتُ عمرها يُسْقِطُها المرضُ كأوراقِ خريفٍ ذابلٍ. رائحةُ ضفائرها مُوغِلةٌ بذاكرة الأبناء. لم تقدر الجدرانُ الصماءُ وصريرُ أبوابها الموصدةِ على حجبِ تقاسيمِ وجهها، وهي المضيئةُ، الباهرةُ، النبيلةُ، الأصيلةُ، حتى وهي تموت.

تركت أرقامَ الهاتف ووصيةً أودعتها أماناتِ المستشفى، تعتذرُ فيها عمَّا أصابها من مرض، واختراعِها عملًا لا وجود له، لتجدَ مبررًا للذهاب كلَّ يوم إلى المستشفى. ثروةُ والدهم مودعةٌ بالكامل بأحد البنوك، ميراثًا شرعيًا، وهي تؤكد على أهمية الترابط بين الأبناء: عندما يُجْرَحُ إصبعٌ في اليد، يصرخ المتألمُ قائلًا: «أخ!» وهي تعني النجدةَ بالأخ. الحبُّ هو الأصلحُ في تقوية العلاقات. فاتورةُ المستشفى سُدِّدَت بالكامل من مدخراتها وذهبها، تعتذرُ لأنها لم تتمكن من إبقائها لهم.

كابدت الآلامَ وحدها، لم تُجْهِدِ الأبناءَ في رحلة مرضها الذي أخفته طويلًا عنهم. يرتشفون الهمَّ كلَّ يوم وهم يغلقون الباب دونها. في غيابها غابت الشمسُ وحجبتها غيومٌ ثقيلة. لا يدرون بأيِّ اللغات يبكونها، وموتُها بدَّد كلَّ اللغات.

اترك رد