شرفة على حافة العدم

شرفة على حافة العدم

اللوحة: الفنان الاسباني ليوناردو ألينزا

​كانت القاهرة في تلك الليلة تبدو من شرفة الدور الثاني عشر وكأنها لوحة سريالية رُسمت بمسودات الضوء والظلال. النيل في الأسفل خيط أسود يبتلع أضواء الجسور، والرياح الخريفية الباردة تعبث بستائر الغرفة البيضاء، فتتحرك كأشباح راقصة تبحث عن جسد ترتمي فيه.

​وقف يوسف ممسكًا بحافة الشرفة الحديدية، يراقب الفراغ. في السادسة والثلاثين من عمره، لم يكن يبدو عليه انكسار السنين بقدر ما كان يظهر عليه إرهاق الروح. يوسف ليس رجلًا يائسًا بالمعنى التقليدي؛ لم يكن مديونًا، ولم يكن يعاني مرضًا عضالًا، بل كان يعاني من “عشق” تحول بمرور الوقت إلى زنزانة انفرادية لا أبواب لها.

​داخل الغرفة، كانت تفاصيل حياته مبعثرة على مكتبه الخشبي القديم: أوراق مسودة لرواية لم تكتمل، دواوين شعر لـ “بودلير” و”المتنبي”، وفنجان قهوة بارد ترسبت في قاعه بقايا نهار مضى. وعلى الحائط، كانت هناك لوحة زيتية لامرأة لم تبتسم قط في الصور.. ليلى.

​ليلى لم تكن مجرد امرأة غادرت حياته قبل عام، بل كانت الفكرة التي تبرر وجوده. غيابها لم يترك فراغًا، بل ترك حضورًا مشوهًا ينهش في تفاصيله اليومية. تذكر كلماتها الأخيرة وهي تغلق الباب خلفها:

​”أنت لا تحبني يا يوسف، أنت تحب العذاب الذي تمنحك إياه فكرة وجودي. أنت عاشق للاحتراق، وأنا لا أريد أن أكون عود ثقاب.”

​التفت يوسف إلى الغرفة، ونظر إلى الساعة الجدارية. كانت تشير إلى الثالثة صباحًا. الوقت المثالي لإنهاء كل شيء، أو ربما لبدء الاعتراف الأخير.

​جلس يوسف على مكتبه، وسحب ورقة بيضاء صقيلة. قلم الحبر الأسود بين أصابعه بدا ثقيلًا كأنه مصنوع من رصاص. قرر ألا يترك رسالة انتحار تقليدية تعتذر للجميع وتطلب المغفرة. أراد أن يكتب “مانيفستو” للعشق الذي يقتل، رواية قصيرة تختزل كيف يمكن للإنسان أن يختار الموت ليس كارهًا للحياة، بل محبًا لشيء يفوقها.

​بدأ يكتب:

“إلى من يهمه الأمر، أو لا يهمه..

البعض ينتحر لأن الدنيا ضاقت به، أما أنا، فأنتحر لأن أفق مشاعري صار أوسع من أن تحتمله هذه الجدران الضيقة، وهذا الجسد الفاني. الانتحار ليس دائمًا صرخة احتجاج ضد الوجود، أحيانًا يكون الانحناءة الأخيرة لعازف انتهت مقطوعته ولم يعد الجمهور يصغي.”

​عاد بذاكرته إلى اللقاء الأول في قاعة المعارض بوسط البلد. كانت ليلى تقف أمام لوحة سريالية تمثل جسدًا يتفتت ويتحول إلى طيور مهاجرة. اقترب منها يومها وقال لها: “الرسام هنا لم يقصد الرحيل، بل قصد التحرر من جاذبية الأرض”. التفتت إليه بعينين واسعتين يحفهما غموض عجيب وقالت: “بل قصد أن البقاء في مكان واحد هو الموت الحقيقي”.

​منذ تلك اللحظة، ارتبط مصيرهما برباط مشدود على آخره. لم يكن حبًا هادئًا، بل كان أشبه بعاصفة استوائية تجرف في طريقها كل اليقينيات.

​مع مرور الصفحات التي يخطها يوسف، كان يغوص أكثر في تفاصيل الطقوس اليومية التي قادت خطاه نحو هذه الليلة. بعد رحيل ليلى، تحولت الشقة إلى متحف للذكرى. لم يغير مكان فرشاة أسنانها، وظل عطرها المترسب في وسادتها هو الهواء الذي يستنشقه قبل النوم.

​في عمله كمترجم في إحدى دور النشر، كان يقرأ نصوص الآخرين ويبحث بين السطور عن مشاعره هو. كان يرى في انتحار “فيرتر” لـ “غوته” منطقًا لا يفهمه العقل، لكنه يدركه القلب تمامًا.

​كتب في الورقة الثالثة:

“العشق في أعلى تجلياته يصبح دينًا بغير أنبياء، وطقسًا يتطلب التضحية بالذات. عندما تغيب المحبوبة، يصبح العالم خلفها مجرد ضوضاء بيضاء، صور تتحرك بلا صوت، وأشخاص يتحدثون لغات لا أفهمها. حاولت أن أجد ليلى في وجوه النساء الأخريات، فما وجدت إلا ملامحها وهي تتلاشى، كأن كل امرأة ألتقيها تسلبني جزءًا من ذكراها بدلًا من أن تعوضني عنها.”

​يتذكر كيف كان يجلس في المقاهي القديمة بمفردة، يطلب فنجانين من القهوة، ويترك الفنجان المقابل له يبرد، مما يثير حيرة النادل وإشفاقه. لم يكن مجنونًا، كان فقط يرفض الاعتراف بأن المقعد المقابل قد أصبح خاليًا إلى الأبد.

​توقف يوسف عن الكتابة للحظة. أحس برعشة في يده. النظر إلى الماضي من نافذة الغد المعدوم يمنح الأشياء وضوحًا مرعبًا. في الصفحة الرابعة، قرر أن يكتب عن السر الذي لم يخبر به أحدًا، حتى ليلى نفسها.

​في الليلة الأخيرة قبل رحيلها، حدث شجار عنيف بينهما. لم يكن بسبب الغيرة أو الملل، بل بسبب الخوف. ليلى كانت تشعر أن يوسف يبتلع كيانها، يذيب شخصيتها في بوثقة عشقه المطلق. قالت له وهي تبكي:

“أنا أخاف منك يا يوسف. حبك هذا مخيف، إنه يطالبني بأن أكون ملاكًا، أسطورة، قصيدة شعر.. وأنا مجرد امرأة من لحم ودم، أخطئ وأمل وأريد أن أعيش ببساطة.”

​لم يفهم يوسف وقتها أن الحب الجارف قد يكون قيدًا يخنق المحبوب. كان يعتقد أن العشق يجب أن يكون ممتدًا بلا حدود، كالكون. وعندما عجزت ليلى عن مجاراته في هذا التحليق الشاهق، فضلت السقوط إلى الأرض والرحيل.

​كتب يعلق على هذا الموقف:

“لقد أردتُ لها الخلود، وأرادت هي الحياة. والخلود والحياة ضدان لا يجتمعان في جسد واحد. رحلت لأنها لم تحتمل ناري، وبقيتُ أنا هنا، رمادًا يرفض أن تذروه الرياح.”

​بينما كان يوسف يخط الصفحة الخامسة، تناهى إلى سمعه صوت حركة خفيفة خلفه. التفت بسرعة، لكنه لم يجد أحدًا. كان انعكاس صورته في مرآة الخزانة الكبيرة يبدو غريبًا؛ وجهه شاحب، وعيناه غائرتان كأنهما تبحثان عن شيء مدفون في قاع الجمجمة.

​أعاد نظره إلى الأوراق، وشعر فجأة برغبة في أن يحاور “الموت” كشخصية حقيقية في روايته. تخيل أن الموت يجلس الآن على المقعد المقابل له، يرتشف بقايا القهوة الباردة وينظر إليه بابتسامة ساخرة.

​”ماذا تنتظر؟” يسأله يوسف في النص.

يجيبه الموت: “أنتظرك أن تنتهي من صياغة تبريراتك. البشر دائمًا يحبون تغليف نهاياتهم بعبارات بليغة. لكن في النهاية، السقوط من الشرفة هو مجرد ارتطام بالأسفلت، وجسد يتوقف عن النبض. لا توجد موسيقى تصويرية في الخلفية يا يوسف.”

​هذا الحوار المتخيل جعله يدرك القسوة العارية لفعله. لكنه لم يتراجع. الشاعر والكاتب في داخله كانا يقودان الرجل، والقصة يجب أن تصل إلى ذروتها المنطقية.

​في الصفحتين السادسة والسابعة، تحول أسلوب يوسف من السرد العاطفي إلى ما يشبه التشريح الفلسفي لحالته. أراد أن يفهم، ويفهم من سيقرأ الأوراق، كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها الموت فعلًا من أفعال الحب.

​كتب:

“إن انتحار العاشق ليس يأسًا من رحمة الله، وليس كفرًا بالحياة، بل هو بلوغ نقطة “الشباع المطلق” من الألم. عندما تتساوى اللذة والألم، يصبح الوجود والعدم وجهين لعملة واحدة. لقد عشت العشق بكل جوارحي، صعدت إلى أعلى قمة يمكن للروح البشيرية أن تصلها في التماهي مع الآخر، وما بعد القمة ليس إلا الهبوط. وأنا أرفض الهبوط.”

​استحضر نظرية اليابانيين في ترميم الخزف المكسور بالذهب (الكينتسوجي). وتساءل: ماذا لو كانت الروح مكسورة لدرجة أن الذهب نفسه لا يكفي لترميمها؟ ماذا لو كان الكسر هو الأصل، والتحام الأجزاء هو الوهم المؤقت؟

​كان يرى أن ليلى أخذت معها المادة اللاصقة لروحه، وما بقي منه ليس سوى شظايا مبعثرة، تعيد ترتيب نفسها كل ليلة لتصنع مشهد الفراق من جديد.

​تجاوزت الساعة الرابعة صباحًا. الأوراق أمامه امتلأت بالكلمات والخطوط المتقاطعة. شعر يوسف بنوع من الخدر الخفيف في أطرافه، وكأن جسده بدأ ينسحب تدريجيًا من الواقع قبل أن ينفذ قراره.

​في الصفحة الثامنة، كتب عن حلم تكرر معه كثيرًا في الآونة الأخيرة:

“أرى نفسي أسبح في بحر من الحبر الأسود. ليلى تقف على الشاطئ، تمسك بمنديل أبيض وتلوح لي. لست متأكدًا إن كانت تودعني أم تدعوني للوصول إليها. كلما سبحت أسرع، ابتعد الشاطئ وزاد عمق الحبر. لكن الشيء الغريب في الحلم أنني لا أشعر بالخوف من الغرق؛ بل أشعر بالسلام، سلام يشبه سلام الجنين في رحم أمه.”

​هذا الحلم كان يمثل له الانتقال من مرحلة المقاومة إلى مرحلة الاستسلام الكامل. لم يعد يبحث عن حلول، لم يعد يتصل بالأصدقاء، ولم يعد يفتح رسائل بريده الإلكتروني. انحصر كونه كله في تلك الغرفة، وفي تلك السطور التي توشك على الانتهاء.

​في الصفحة التاسعة، التفت يوسف إلى تفاصيل جسده الذي يوشك على تدميره. نظر إلى يديه، إلى العروق الزرقاء التي تنبض بالحياة، إلى صدره الذي يرتفع وينخفض بانتظام. شعر بنوع من الامتنان لهذا الوعاء الفاني الذي حمله لستة وثلاثين عامًا، وتحمل معه تقلبات عقله وعواصف قلبه.

​”عذرًا أيها الجسد”، كتب في السطور الأخيرة من الصفحة التاسعة. “لقد كنت بيتًا صالحًا، لكن الساكن فيك تعب من الإقامة. لست أنت من خذلني، بل هي الرغبة في الطيران التي لم تتناسب مع ثقلك الطيني. الليلة، سأعفيك من مهمة حمل هذا القلب الثقيل.”

​قام من على الكرسي، وذهب إلى الحمام. غسل وجهه بالماء البارد ونظر إلى المرآة للمرة الأخيرة. لم يرَ وجه منتحر؛ رأى وجه مسافر يستعد لرحلة طويلة خطط لها بدقة. عاد إلى مكتبه، ورتب الصفحات التسع بعناية، واضعًا فوقها ثقالة ورق من الكريستال، ثم سحب الورقة العاشرة والأخيرة.

​جلس لكتابة الصفحة العاشرة. كانت هذه الصفحة هي الأصعب، لأنها لا تحتوي على ماضٍ يتذكره، ولا فلسفة يشرحها، بل تحتوي على اللحظة الراهنة.. ثواني ما قبل القفزة.

​كتب بخط سريع، والكلمات تبدو كأنها تندفع خارجة من قيد القلم:

“الآن، وأنا أقف على حافة النهاية، أشعر بخفة غريبة. الغرفة خلفي تبدو بعيدة كأنها تنتمي إلى زمن آخر. الأوراق مرصوفة على المكتب، تسع صفحات تحكي قصة عاشق انتحر قبل أن يموت جسده بـعوام. وهذه هي الصفحة العاشرة، صفحة الصمت المطلق.”

​ترك القلم مفتوحًا على الورقة، فبدأت بقعة من الحبر الأسود تتسع ببطء في منتصف البياض، كأنها ثقب أسود يبتلع الكلمات.

​وقف يوسف. مشى بخطوات ثابتة نحو الشرفة. الرياح كانت قد هدأت قليلًا، والفجر بدأ يرسل خيوطه الرمادية الأولى في أفق القاهرة. لم ينظر إلى الأسفل هذه المرة؛ بل نظر إلى الأعلى، إلى السماء الواسعة التي بدت له لأول مرة بلا حدود وبلا سجون.

​في الصباح التالي، كان الصخب المعتاد قد عاد إلى الشارع الأسفل. سيارات تمر، وباعة ينادون، وحياة تستمر بغير مبالاة بمأساة الفرد.

​داخل الشقة، دخل رجال الشرطة برفقة حارس البناية. كانت الغرفة هادئة بشكل غريب، والستائر البيضاء تتحرك بنعومة مع نسمات الصباح. على المكتب، لفت انتباه المحقق تلك الأوراق المرتبة بعناية تحت ثقالة الكريستال.

​اقترب المحقق، ورفع الثقالة، وبدأ يقلب الصفحات. قرأ بضع سطور من الفصول الأولى، وبدا على وجهه التأثر، ثم وصل إلى الصفحة العاشرة.

​لم يكن في الصفحة العاشرة سوى بقعة حبر سوداء كبيرة في المنتصف، وتحتها سطر واحد مكتوب بخط مرتجف:

​”لم ينتحر لأنه كرهها، بل لأنه لم يجد في العالم اتساعًا يكفي لحبها… انتهت الرواية، وبدأت الرحلة.”

​نظر المحقق من الشرفة إلى الفراغ، ثم أعاد الأوراق إلى مكانها، وطلب من المساعد أن يضعها في كيس الأدلة، مسجلًا في تقريره: “الحادثة.. انتحار عاشق”. لكن الأوراق على المكتب كانت تقول شيئًا آخر؛ كانت تقول إن يوسف لم يمت، بل تحول إلى نص مكتوب، عصي على النسيان.

اترك رد