الغرفة رقم 104

الغرفة رقم 104

اللوحة: الفنان الأمريكي جيفري جونسون

عبد اللطيف مبارك

​اللون الأبيض هنا في الداخل ليس نقياً كما يتخيله الناس في الخارج. إنه أبيض باهت، أبيض يلوذ بالعيون كملح رُش على جرح مفتوح.

​يجلس أمين على حافة السرير الحديدي، يداه متشابكتان بين ركبتيه، وعيناه شاخصتان نحو ذبابة ميتة مستلقية على إطار النافذة المُحكم بقضبان معدنية متقاطعة. في مستشفى “الأمل” للأمراض النفسية، لا يمر الوقت؛ بل يتراكم فحسب، كالغبار على الأثاث القديم.

​”إنك تتحسن يا أمين”، هكذا قال له الطبيب بالأمس.

ابتسم أمين في سره. التحسن في هذا المكان يعني فقط أن تصبح هادئاً بما يكفي لتجعلهم يعتقدون أنك مصنوع من بلاستيك؛ يعني ألا تصرخ عندما ترى الظلال تتحرك في زوايا الغرفة، وأن تبتلع الحبوب الملونة دون أن تخفيها تحت لسانك. لكن أمين لم يكن يبتلعها، بل كان يجمعها في شق صغير تحت المرتبة، ليس رغبة في الموت، بل ليحافظ على الخيط الأخير الذي يربطه بـ “أمين الماضي”.

​قبل عشرين عاماً، لم يكن للأبيض وجود. كان هناك الأخضر: عشب الحديقة الصغيرة لمنزله في أيام الطفولة بطنطا، ورائحة الياسمين التي كانت والدته تفركها بين يديها قبل أن تطبع قبلة على جبهته.

“أنت ذكي يا أمين، ستصبح مهندساً يشار إليه بالبنان”، هكذا كان يقول له والده وهو يعدل نظارته السميكة على أرنبة أنفه، بينما يتفحص شهاداته المدرسية بفخر.

​يتذكر أمين صفير القطار الذي كان يمر بالقرب من منزلهم؛ كان صوت العجلات على القضبان يبدو وكأنه يناديه: خذني بعيداً… خذني بعيداً. لم يكن يعلم حينها أن القطارات لا تأخذنا دائماً إلى أماكن أفضل، بل تجرنا أحياناً نحو محطات نغرق فيها، دون أن نجد رصيفاً للعودة.

​في سن الخامسة والعشرين، كان كل شيء يسير وفقاً للخطة. تخرج في كلية الهندسة ووجد عملاً في شركة مقاولات كبرى بالقاهرة.

هناك التقى بـ “ندى”. كانت تعمل في قسم التصميم؛ كان وجهها مستديراً كالبدر، ولها ضحكة قادرة على إخراس صخب شوارع القاهرة الضاجّة.

“أمين، أنت تفكر أكثر من اللازم. تهتم بالتفاصيل، لكن لا تدعها تبتلعك”، قالت له ذات يوم وهي تناوله كوباً من الشاي أثناء الاستراحة.

​لم يستمع لنصيحتها. كان يلاحظ الخدوش الصغيرة على المكاتب، ويعد الخطوات من البيت إلى العمل، ويؤرقه شرخ صغير في سقف الشقة التي كانوا يعاينونها من أجل زواجهم المستقبلي. كانت عبقريته هي لعنته: عقل لا يتوقف أبداً عن التحليل، وجهاز عصبي مشدود كوتر كمان على وشك الانقطاع.

​تزوجا ورُزقا بطفلة أسمياها “نور”. كانت نور هي البقعة المضيئة الوحيدة في عالم أمين الذي بدأ يظلم ببطء تحت وطأة ضغوط العمل والمسؤوليات.

لكن العقل البشري يشبه سداً ضخماً: يتظاهر بالصلابة بينما تتسع الشقوق الصغيرة في صمت.

​ثم جاءت تلك الليلة الشتوية من عام 2021. مطر غزير، شوارع غارقة، ومكالمة هاتفية تبلغه بأن السيارة التي كانت تستقلها ندى والصغيرة نور، في طريق عودتهما من منزل الجدين، قد انزلقت على الطريق السريع.

يتذكر أمين أنه لم يبكِ عندما تلقى الخبر. ظل واقفاً بلا حراك في الصالة، حدق في اللعبة البلاستيكية التي تركتها نور على السجادة، ثم شعر بشيء داخل رأسه يصدر صوتاً جافاً؛ كصوت “انكسار” غصن يابس في غابة مهجورة. ومنذ تلك اللحظة تحديداً، توقفت عقارب الساعة عن الدوران.

​استمر أمين في الذهاب إلى العمل لعدة أشهر بعد الحادث، لكنه لم يعد “أمين”. كان يجلس أمام شاشة الكمبيوتر لساعات، شاخصاً في صفحة بيضاء.

بدأ يسمع أصواتاً. لم تكن أصواتاً غريبة، بل كان صوت نور وهي تضحك في الغرفة المجاورة، وصوت ندى وهي تناديه لتساعده في حمل أكياس البقالة. كان يعلم منطقياً أنهما رحلتا، لكن أذنيه رفضتا تصديق ذلك.

“أمين، أنت تتحدث إلى نفسك”، قال له مديره ذات يوم بنبرة يمتزج فيها العطف بالشفقة.

​تدهور الوضع سريعاً. بدأ يرى ندى جالسة على كرسي الشرفة في جوف الليل. كان يخرج إليها، ويضم الهواء البارد ظاناً أنه يضم كتفيها. توقف عن النوم، وأحاطت بعينيه هالات سوداء عميقة كخنادق الحروب.

وفي ظهيرة يوم صيفي خانق، خرج أمين إلى الشارع حافي القدمين. كان يظن أن الأسفلت الملتهب سيذيب الصقيع الذي استوطن قلبه.

وقف في منتصف ميدان مزدحم وبدأ ينظم حركة المرور بيديه، صارخاً بكلمات غير مترابطة عن “هندسة كونية” وضرورة إيقاف السيارات لأن “نور تعبر الشارع الآن”. تجمهر الناس، وأخرج بعضهم هواتفهم لتصوير “المجنون”.

​عندما وصلت سيارة الإسعاف برفقة شقيقه الأصغر، لم يبدِ أمين أي مقاومة. كان منهكاً لدرجة أنه لم يكن يريد سوى مكان يستلقي فيه ويغلق عينيه؛ مكان يتوقف فيه عقله عن الدوران كطاحونة هواء في وسط إعصار.

​نعود إلى الحاضر، إلى المستشفى.

إنها الثامنة صباحاً، ساعة النزهة. يُسمح للمرضى بالخروج إلى الفناء المحاط بسور مرتفع تعلوه أسلاك شائكة.

يمشي أمين بخطى وئيدة، يتأمل رفاق محنته.

​في هذا المكان، يلاشى الفارق بين العاقل والمجنون. المجنون هنا ليس سوى شخص وجد العالم أقسى من أن يتحمل ضراوته، فقرر أن يبني عالماً خاصاً به داخل رأسه.

​الممرض سليمان هو الشخص الوحيد الذي يشعر أمين معه بأمان نسبي. سليمان رجل في الأربعينيات من عمره، ذو بنية ضخمة، لكنه يملك قلباً ناعماً كالإسفنج.

“كيف حال هندستنا اليوم؟”، يسأل سليمان وهو يناول أمين وجبة الإفطار (قطعة جبن، خبز جاف، وكوب من الشاي باللبن).

يجيب أمين بصوت خافت: “الزوايا ليست قائمة يا سليمان. المستشفى بُني بميل قدره ثلاث درجات نحو الغرب. هذا يفسر لماذا نسقط جميعاً نحو الداخل”.

يبتسم سليمان بحزن ويربت على كتفه: “كلنا مائلون يا أمين. لا أحد يمشي مستقيماً في هذا العالم. هيا، تناول طعامك”.

​في فترة بعد الظهر، تمكن أمين من التسلل إلى حمام القسم الرئيسي، حيث توجد مرآة لم تتحطم بعد (معظم المرايا هنا تمت إزالتها خوفاً من حالات إيذاء النفس).

نظر إلى وجهه. كان رجلاً في الأربعين من عمره، لكن الشيب غطى شعره بالكامل. كانت التجاعيد على جبهته محفورة بعمق كأنها خارطة لرحلة المعاناة التي عاشها.

حدق في عينيه؛ لم يجد فيهما الجنون الذي يتحدث عنه الأطباء. وجد فيهما فقط حزناً متراكماً، وجعاً ثقيلاً استعصى على الدموع، فتبلور متحولاً إلى غيوم تحجب شمس الواقع.

تذكر كلمات طبيبه النفسي في الجلسة الأولى: “لقد اختار عقلك الهروب يا أمين. الجنون أحياناً يكون آلية دفاع نفسية عندما يصبح الواقع غير قابل للاستيعاب”.

​تغرب الشمس ويلف الصمت أرجاء القسم، ذلك الصمت الذي يسبق عاصفة الكوابيس الليلية للمرضى.

يجلس أمين مجدداً على سريره في الغرفة 104. بهدوء، يخرج الحبوب التي جمعها تحت المرتبة ويتأملها في راحة يده. كان بمقدوره أن يبتلعها جميعاً وينهي اللعبة.

لكنه نظر إلى النافذة ورأى نجمة وحيدة تتلألأ في السماء المظلمة، رغماً عن التلوث وصخب المدينة. تذكر ضحكة ابنته نور.

ابتسم وأعاد الحبوب إلى مخبئها. لقد أدرك أمراً جوهرياً: هو ليس مجنوناً بالطريقة التي يظنونها، بل كان يحرس ذكرياته في المكان الوحيد الذي لن يتمكن أحد من انتزاعها منه: داخل عقله المنكسر.

​استلقى على السرير، وتغطى بالدثار الخشن، وللمرة الأولى منذ سنوات، نام أمين دون أن يسمع أصوات انكسار في رأسه. بل سمع، بدلاً من ذلك، صفير قطار طفولته البعيد، وهو يهدئ من سرعته ويتوقف، أخيراً، في محطة السلام.

اترك رد