اللوحة: الفنان الكوري الجنوبي موناسي
مهدي النفري

الرسالة الأولى: محنة ما بعد الهبوط من جنة عدن
أنا سليل ورق الصفصاف؛ عائلةٌ نبتت من أشتات أوراقٍ جمعتها الرياح وهاجرت بها الطيور من بقاع شتى، ولدتُ في سن الخامسة والستين متعثراً بآثار طفولةٍ لا تنتهي. بعد مخاضٍ طويل وصراع مرير مع كف يدي تسللت أصابعي إلى الوجود، فإذا بي بثلاثة أصابع لا غير، هكذا تجلت لي الرؤيا وأنا أقف حائراً أطرق أبواب التأويل والتفسير، مشيتُ أقتفي أثر الريح متسائلاً؛ هل من ظلٍّ يئوي رأسي، أم ثمة ضفة لنهرٍ جاف أرتشف منها ما تبقى لي من أسئلة؟ إنها الهزيمة التي لا مرادف لها أن تركض في هذا العالم بلا عكاز تستند إليه، أن تقف مستجديًا ذليلاً أمام الشمس لعلها تحميك من هجير المعاني الشاخصة.
أوصاني أبي يوماً فقال: لا تكن حطاباً وإلا هزّ مهدَك الموتى، والمنسيون، ومن تاهت بهم السبل وباعهم الطريق. وقالت أمي وهي تحمل وقار حملها فوق كتفيها وتفرش له سويداء قلبها: يا بُني، يطمئن الريش حين يكون طعامه الصبار وبيته قاع البحار، لا تحمل حبات قمحك نحو النبع لئلا تدوسك أخطاء الأعداء وفضول العابرين وذوو العاهات، احذر على رأسك من عري الكلمات الفاضحة، فما للفلاح في مواسم الندم سوى حصاد الخسارات.
يا لهذه النجوم الغائرة في سويداء قلبي، ويا لعمق الفجيعة وهي تنصت باهتمام لآهات ثوب الفقد، يا رب الحنين، من ذا الذي اخترع الحنين أول مرة؟ ومَن ألبس هذه الغابة أثواب الحداد السوداء؟ يعود كل رفاقي إلى نُطَفِهم الأولى، فنلتقي أولياء وبررة في ملاحم الدم والحروب، يعودون إليّ كل يوم على متن قطارات الوداع، بينما أزرار اشتياقهم تجلد النوافذ والأبواب بعنف.
يا أبتِ هل تدرك كيف يئن الماء وجعاً؟ وكيف يذرف الغيم دمعاً تلو دمع؟ آهٍ مَن يملك سمعاً ليفقه تنهدات الليل الطويل؟ تعال إليّ أيها الكلام، تعال نغسل ورق خطايانا ونخضبه برداء من ضياء، تعال ندفع هذه العربة الثقيلة بوهج قلوبنا، فما الأحلام كلها سوى آفات، وما الصوابُ في هذا العالم إلا جحيمٌ يصطلي به صاحبه.
الرسالة الثانية: مجد الحنين، تكرار النسيان
إنهُ لشعورٌ موحش أن تتلاشى من ذاكرتِنا ببطء تلك الكلماتُ الحميمةُ التي قضينا سنواتٍ نغزلُها بأناةٍ صبورة، كأنَّنا نقفُ الآنَ لنشهدَ انطفاءَ حبرٍ بريءٍ جفَّ على مهل، أو لنراقبَ خيوطَ حكايةٍ دافئةٍ وهي تنفرطُ خيطًا فخيطًا دونَ أن نملكَ القدرةَ على إمساكِها، لتمسي العباراتُ التي كانتْ يومًا ملاذَنا مجرّدَ أصواتٍ غريبةٍ عابرة، ونتحوّلَ نحنُ إلى غريبَينِ يجلسانِ في الغرفةِ ذاتِها، تفصلُ بينهما أبجديةٌ ميتةٌ وأرضٌ بورٌ من الصَّمت، وكأنَّ كلَّ ذلكَ العمرِ الذي شَيَّدناهُ من الدَّهشةِ يتبخّرُ في غفلةٍ منّا، تاركًا خلفَهُ حسرةً باردةً لِجُملٍ رحلَتْ رويدًا رويدًا بعدَ أن عِشنا نكتشفُها بالكثيرِ من الرِّفْق.*
الرسالة الثالثة: ما تبقى من ثوب الصواب
لا حدائقَ ستزهرُ في الخريفِ فتلكَ محضُ خرافةٍ آنَ لنا أنْ نبرأَ منها، لأنَّ الفصولَ لا تُبدّلُ قسوتَها، وأقصى ما تجودُ بهِ الأيامُ هو تنويعُ خيباتِنا بينَ طعنةٍ شاحبةٍ وأخرى أقلَّ شحوباً، وحيثُ لا يكترثُ أحدٌ لِعزفِ الصَّمتِ في الغرفِ المتروكةِ، نلوذُ نحنُ بترميمِ مرايانا المكسورةِ، ونقضي العُمرَ نغزلُ معاطفَ دافئةً لِعابرينَ لن يَطرقوا البابَ أبداً، لنملأَ المدى بملامحَ نبتكرُها من مَحْوِنا، ونؤثثَ العتمةَ بانتظارٍ طويلٍ، حتى غدتْ هذهِ الأطيافُ التي اخترعناها تلتهمُ بِشراهةٍ صامتةٍ كلَّ النورِ الشَّحيحِ المتبقّي في عيوننا.
الرسالة الرابعة: اقتراف الخطيئة، أن تكون انت
كأنَّني طيفٌ يتحركُ في مقبرةٍ للوقت، يشهدُ على نهايةِ كلِّ شيءٍ دونَ أنْ يملك القدرةَ على البكاء، أو حتى على التلاشي.