الزحف الغريب.. من عدالة المحكمة إلى كابوس جديد

الزحف الغريب.. من عدالة المحكمة إلى كابوس جديد

اللوحة: الفنانة الفلسطينية ندى الخطيب

  • قيامةُ الحق.. حين تستيقظُ كفةُ الميزان

حبست المدينةُ أنفاسها في ذلك اليوم الذي لم يكن يشبهُ سابقه؛ فقد بدت قاعة المحكمة العليا بأسقفها الشاهقة وجدرانها المكسوة بالخشب الداكن كأنها محرابٌ أخير للضمير الإنساني المنهك. 

ساد صمتٌ مهيب، لم يكن يقطعه سوى حفيف الأوراق المرتبكة ووقع أقدام القضاة وهم يعتلون المنصة بوقارٍ يلفّه ثقلُ الأمانة التاريخية.

تسمّرت الأنظارُ نحو رئيس المحكمة؛ رجلٍ وقور خطَّ الزمنُ على وجهه تجاعيد الحكمة، وهو يفتح الملف الذي يحمل بين طياته مصير محلةٍ كاملة، بل مصير فكرة العدل ذاتها.

لم يبدأ بالنطق المباشر، بل استهلَّ كلمته ببيانٍ أدبيٍّ وقانونيٍّ بليغ، أعاد فيه الاعتبار للإنسان قبل النص.

قال رئيس المحكمة بصوتٍ رخيمٍ يتردد صداه في أرجاء القاعة الصامتة:

“إن العدالة التي لا تبصرُ دموع الصغار هي عدالةٌ عرجاء، والقانون الذي يتجاهلُ بديهياتِ الواقع بحجةِ نقصِ البينات المادية هو قانونٌ يحمي الجاني ببرودةِ نصوصه.
لقد فحصت هذه المحكمة عريضة المستأنفين، وتأملت في روح الحقيقة الكامنة خلف كيس الخنافس وحكاية الأطفال، ووجدت أن إغفال شهاداتهم بحجة نقص الأهلية هو تفريغٌ للقضاء من جوهره الأخلاقي”.

توقف لحظةً، فبدت القاعةُ وكأنها خاليةٌ من الأكسجين، ثم تابع بمنطقٍ الواثق والمنصف:

“وحيث إن الشركة المدعى عليها قد استغلت نفوذها لتمويه الحقائق، وحيث إن تلازم ظهور الوباء مع عروض الشراء القسرية يشكل قرينةً قوية لا يمكن تجاهلها..
 فقد قررت المحكمة العليا نقض الحكم السابق جملةً وتفصيلًا، وإعادة القضية إلى التحقيق الجنائي الموسع مع إيقاف كافة إجراءات الإخلاء فورًا، وإلزام الشركة بتعويضٍ ماديٍّ مؤقت للسكان جراء الأضرار الصحية والبيئية، ريثما يتم التحقيق النهائي والكشف عن المتورطين”

وقعُ الكلمات كان كالمطرِ الهاطل على أرضٍ شققها الظمأ.

لم تضج القاعةُ بالتصفيق، بل بـزفرةٍ جماعية طويلة، امتزج فيها نحيبُ المقهورين بارتياح المنتصرين. شُوهد العم أبو عواد وهو يغمض عينيه ويسند جبهته إلى عصاه، وكأنه يفرغُ وقرًا ثقيلًا من فوق كاهله المتعب. 

أما ياسمين، فقد نظرت إلى امها ببراءةٍ، لم تعد مذعورة، بل أصبحت مُبصرة..
لقد أدركت الصغيرةُ أن كلماتها لم تذهب سدىً، وأن العالم، رغم قسوته، ما زال يتسعُ للحق.

خرج الجميعُ إلى الضوء، ولم يكن انتصارهم مطلقًا بالمعنى المادي المحض.. فالبيوتُ ما تزال شاخصةً بقِدَمها، والخنافسُ تركت أثرًا في النفوس لا يمحوه قرارٌ ورقي، والشركاتُ النافذة ستظل تحاولُ الالتفاف من وراء حجاب.

لكنهم انتصروا اخيرًا.

لقد انتزعوا اعترافًا رسميًا بحقهم، وبأن جدرانهم ليست للبيع، وأن الطفولة ليست حيزاً للتجارب المخبرية. 

عادوا جميعاً إلى المحلة، وكأن التراب نفسه قد استعاد لونه الأصيل، واختفت تلك السيارات السوداء المريبة، وانزوت الوجوه المقنعة خلف عتمة فشلها، لتبقى هدى وأهلُ حيّها حراساً ليقينٍ لا يغلبه الباطل.

سديمُ الصمت.. وارتيابُ اليقظة

قرر الجيران أن يطووا صفحة تلك الأيام العجاف لا بالصمت، بل بفعلٍ يليق بما انتزعوه من العتمة.. عيدًا يصوغونه بأيديهم، ويودعونه في ذاكرة المحلّة علامةً على أن الفرح، حين يُنتزع انتزاعًا، يكون أصدق وأبقى. 

عادت ساحةُ لعب الصغار لتتنفس من جديد؛ تلك البقعة التي شهدت يومًا أولى تعثراتهم وهم يتهجون حروف التمرد ويتعلمون كيف تُصاغ كلمة لا في وجه العاصفة. 

لم تعد الساحة مجرد حيزٍ من تراب وأراجيح صامتة يأكلها الصدأ، بل استحالت فضاءً رحبًا لبهجةٍ مصفّاة من الأسى، كأنما بُعثت من العدم لتمتص هذا الفيض الساطع من الضوء الذي غمر المحلة.

اصطفت الطاولات الخشبية في انتظامٍ حميم، كأنها أكتافٌ تشابكت لتصدّ عن الذاكرة رياح النسيان العاتية، وافترشتها أغطيةٌ ناصعة لم يستمد البياضُ سطوته فيها من غزل القماش، بل من طهر السرائر وما انقشع عن الصدور من لوعة ووجل. كان المشهدُ تجلياً لكرامةٍ استُردت؛ فخرج كل بيتٍ يحمل نصيبه من الجود، لتجتمع تحت السماء قدورٌ تفور بحكاياتٍ طريفة، وأرغفةٌ جدعة المخبوزة بملح الصبر، دافئة كأنها أكفٌّ تمتد للمصافحة بعد هجرٍ طويل.

كان الضحك في ذلك النهار كائنًا غريبًا ومدهشًا، انبعث بين الجموع فجأة، فراحوا يتأملونه بذهول الكفيف الذي استعاد بصره؛ كأنهم عبر رنين الأصوات يتعرفون إلى ملامح وجوههم للمرة الأولى، ويمسحون عنها غبار زمنٍ ظنوا أنه لن ينقضي. 

توالدت التفاصيل الصغيرة في عفويةٍ آسرة لتغزل ثوب الإلفة الكبير: 

أطفال يمرحون، صبي يركض خلف حلمه كأن الأرض ملكٌ يمينه، وصبيةٌ تمشّط خصلة شعرٍ لصديقةٍ غيّبها الارتيابُ طويلًا، ورجلٌ وقور يرفع يديه نحو السماء بصمتٍ ممتنّ، كأنما يوقع عهداً أبديًا مع الطمأنينة.

تدفقت الأحاديث بين الجيران سَلِسةً كالماء، بلا رتوش أو كلفة، تنسج نسيجًا من الألفة الضاربة في الوجدان، حتى خُيّل للناظر أن الأشجار المشرئبة على حواف الساحة قد مالت بأغصانها نحوهم، تنصت بخشوع لنبض المكان الذي استعاد هويته. ومع كل ابتسامةٍ كانت تُسترد قطعةٌ من عمرٍ مسروق، ومع كل تشابك أيدٍ كان يُرمم صدعٌ خفيٌّ.

لم يكن فرحهم ضجيجًا عابرًا، بل كان عارمًا وعميقًا، ضاربًا جذوره في طين الأرض؛ فرحًا وقورًا يعرف جيدًا حجم الأهوال التي تكبدها ليعلن ميلاده، ويشرق بثقةٍ لا تعرف المبالغة. 

في تلك اللحظة الفارقة، شعر الجميع بيقينٍ غامض أن الساحة لم تعد تتسع لأجسادهم فحسب، بل غدت محرابًا يضم كل ما عبر بهم من انكسار وخوف، ليصهر الوجع القديم ويحيله إلى مادةٍ خام للفرح الخالص. لقد انتصر أهل الارض لا بقرارٍ مكتوب فحسب، بل ببعثٍ جديد للروح، حيث غدت الساحةُ شاهدةً على أن الحق حين يُنتزع، يترك خلفه نسيجًا من النور لا يقبل الإنطفاء.

لكن السماء التي استردوا صفاءها، بدت فجأة ثقيلة ورمادية، كأن سقفًا من الرصاص أخذ يهبط ببطءٍ فوق صدورهم. 

ارتجف الهواء فوق رؤوسهم، وانشقّ الأفق عن صوتٍ معدنيّ خشن، عويلٌ حادّ يشقّ الفضاء كحدِّ سكينٍ في صمتٍ طري.

رفعوا رؤوسهم في آنٍ واحد، فرأوا طائرةً تدور على علوٍ منخفض، تلتفّ ببطءٍ مريب، كعينٍ جارحة تمسح المكان بنظرةٍ متحفّزة.

لم ينطفئ الفرح، لكنه انقبض على نفسه كضوءٍ يقيه حدسٌ غامض. 

خفَتت الضحكات، وتباطأت الأحاديث، وتلاقت النظرات في ومضاتٍ خاطفة، كأنهم يقيسون في صمتٍ المسافة بين ما انتزعوه للتوّ وما قد تمتد إليه يدُ الفقد.

ومع هذا التماسك الحذر، تسلّل الاضطراب إلى الأطراف أولًا، ثم سرى كرجفةٍ خفية بين الجموع… 

ارتبكت الخطى، وتعالت النداءات، حتى غدت الساحة دوّامةً بشرية قلقة.

وقفت هدى في قلب ذلك الارتباك، وهي تشعر بشيءٍ داخلي يتصدّع ببطء.

أطلقت صرخةً بلغت أقصاها، صرخةً لم تخرج من الحنجرة وحدها، بل من ذاكرةٍ مثقلةٍ بأسئلةٍ الرفض المؤجلة، حملت حيرة أجيالٍ أنهكها السؤال ذاته: 

كيف ينقلب البيت، في غفلةٍ قاسية، من ملاذٍ آمن إلى موضع خوف؟

لكن الصرخة لم تكتمل.. 

فجأة، انكسر الصوت كما تنكسر مرآة على صخرة. 

تلاشى هدير الطائرة

اختفى صراخ النساء

غابت الساحة بمن فيها

غرق كل شيء في صمتٍ مطبق. 

شعرت هدى بيدين صغيرتين تهزان كتفها برفق، وصوتٍ مألوفٍ ينساب إلى أذنها كخيط نور:

“ماما.. ماما.. ما بكِ؟ 

استيقظي، استيقظي ارجوكِ!”.

فتحت هدى عينيها ببطءٍ شديد، كأنها تعود من غيبوبة مسافات.

 لم تكن هناك ساحة

لا جيران.

كان الضوء الخافت يتسلل من نافذة الغرفة، والصمت يغلف البيت بهدوءٍ.

رأت وجه طفلتها “ياسمين” قريباً منها، وعيناها الواسعتان ممتلئتان بالخوف. جلست هدى ببطء، والتقطت أنفاسها، ومدت ذراعيها لتضم ابنتها بقوة، وقالت بصوتٍ مبحوح: 

“آسفة يا حبيبتي.. لا شيء، أنا هنا.. كان مجرد كابوس مزعج”.

بقيت هدى تسمع نبض قلب صغيرتها، لكنها لم تشعر بأن الكابوس قد انتهى فعلًا. أصغت إلى صمت البيت.. كان صمتًا مثاليًا، هادئًا أكثر مما ينبغي، كأنه ستارٌ سميك يخفي وراءه ضجيجًا قادمًا.

أدركت حينها أن ذلك الكابوس كان مرآةً مشوشة لحقيقةٍ أكبر، حكاية تشبه أوطانًا تسللت إليها الخيانات ببطء يشبه زحف الخنافس؛ أوطانًا استيقظ أهلها ليكتشفوا أن الأرض التي ظنوها صلبة كانت تُقرضُ من تحت أقدامهم.

بقي السؤال معلقًا في داخلها، ثقيلًا كحجرٍ في قاع العتمة:

هل كان انتصارهم على الجشع حلمًا أم واقعًا رأوه وهم نيام؟
أم أن الحلم الحقيقي والأكثر رعبًا هو أن يظنوا انهم يعيشون مطمئنين، ومعتقدين أن كل شيءٍ بخير، بينما الخنافس تبني إمبراطوريتها المروعة تحت أقدامهم في صمت؟ 

أشرعت النافذة على مصراعيها. كان الفجر ينساب ساطعًا وشفيفًا، حين تجلّت لها الحقيقة يقينًا ثقيلًا؛ أن الكوابيس الحقيقية ليست تلك التي تزور النائم فتفزعه ثم تنقضي، بل تلك التي يُراد للناس أن يعتادوا حضورها ورسوخ ديمومتها، أن يفتحوا أعينهم كل صباح ليروا ما يروعهم..

واقعهم يتلاشى.. وواقعًا اخرًا صمم لمراوغتهم، كسرابٍ لا يُمسك.


*من رواية قيد الإنجاز

الزحف الغريب.. والارتطامٌ بجدارِ الجليد

اترك رد