بابا.. أبي.. ”اْبَّا”

بابا.. أبي.. ”اْبَّا”

اللوحة: الفنانة الأمريكية ساندي ريان

على منوال ذلك ثالوث أمّي، ماما، ”اْمّي”، تعبيرات لغوية مرتبطة بوضعيات سياقات مجتمعية وانتماءات طبقية ومرجعيات أيديولوجية، كما الوضع اللّغوي عموما. بالتّالي، هي ألفاظ غير بريئة تماما بل تعكس أبعادها تراثا بعينه ورؤية نسقية.

لم يكن جائزا مبدئيا لاسيما خلال الفترة التّاريخية السابقة عن انقلابات العولمة وما بعدها، التلفّظ بكلمتي ”بابا” أو ”ماما” داخل فضاء الأحياء الشّعبية التّراثية، فمن شأن ذلك تصنيف المتكلّم سريعا ومن الوهلة الأولى ضمن الجنس البشري الذي ينزع أكثر نحو الجانب الأنثوي مما يؤثِّر بكيفية واضحة على موقع انتمائه إلى المجتمع الذّكوري، عبر مؤشّراته الثّابتة وفق سياق جملة تصوّرات  أهمّها الدّأب على الاختلاط بالشّبّان وانحداره بمسألة الارتباط بالبيت إلى مرتبة دنيا، ثم ضرورة خوضه بعض الشّجارات والمعارك أمام الملأ لتأكيد جدارة الانتماء، وكذا الدّخول في نزاعات مع الأسرة تجبره على قضاء ليالي خارج البيت.

بهذا الصّدد وعلى سبيل التّمثيل، جسَّدت في مراكش العتيقة عراء ليالي جامع الفنا تحدّيا مفصليا وامتحانا فعليا، لذلك نٌعِت غير المنضبطين خلال تلك الفترة ب ”أبناء جامع الفنا”، بحيث يُقذف أحدهم فورا بالعبارة الجاهزة:

  • ”سِيْرْ يا وْلْدْ جامع الفنا! ”توصيف يضمر حسب النَّاعت مختلف معاني الانحراف.

ثم يردّ المنعوت دون تردّد، كي يقوّض جذريا التّهمة الثّابتة:

  • ”جامع الفنا لا تنجب أولادا”.

بناء على حيثيات خطاب من هذا القبيل يرتقي شباب الحيّ إلى مرتبة ”الفرسان”، منطلق ذلك ضرورة توظيف منظومة لغوية ملائمة ونبرة صوتية خشنة، تعكس التّركيز الذّكوري.

يستحيل على صاحب هذه الهواجس مناداة أمّه ب ”ماما” أو أبيه ب ”بابا”، قد يفعل ذلك داخل المنزل ضمن نطاق خاص حين تواريه عن العموم مدرِّبا نفسيته على مكر شيزوفرينية مقيتة. تكشف إحالات لفظ ”ماما” حسب تأويل المستمعين، على شخص مخنَّث ذي منحى بورجوازي، فرانكفوني، ليّن، فاقد لجانب من هرمونه الذّكوري.

طبعا، يجري التّصنيف عفويا وتلقائيا من طرف الآخرين، ولا يرتقي الى درجة استلهام مرجعية نفسية عالمة عبر استثمار مثلا مفهومي الأنيما والأنيموس لكارل غوستاف يونغ.

نفس هذا التّوظيف ”الأنثوي” حسب التّصنيف ”الذّكوري” لثقافة الحيّ التّراثي، ينقلب رأسا على عقب إلى مطلب رمزي أوّلي في سبيل تحقيق الارتقاء الطبقي خارج سور المدينة القديمة. يصبح استعمال منظومة تعبيرية على شاكلة ”بابا”، ”ماما”، مع تأثيثها وتزينها بكلمات من اللّغة الفرنسية سبيلا لا غنى عنه للتمتّع بالحظوة المأمولة ضمن صفوف المجتمع ”العصري”.

ظلّ مصطلحا ”أبي”، ”أمّي”، وفق زخم بنيتهما النّبرية العامية ” اْبا”، ” اْمّي” الأكثر شيوعا داخل الحي، مقابل ندرة أو قِلّة تداول التّحوير الإفرنجي لهما، نعم اعتُبِر إفرنجيا بكيفية أو أخرى كلّ من وظّفهما عوض اللّغة التّقليدية، بل تعرّض أطفال للعقاب البدني واللّفظي حتّى يتوقّفوا عن هذا ”الزّيغ الفكري” وحتمية التعوّد على مخارج ” اْبا”، ” اْمّي”، بينما يوظِّف الشابّ الأكبر سنّا المصنّف ضمن طليعة الذّكوريين لفظة ”الوالد”.

تندرج تعابير أخرى ضمن متواليات مسالك رمزية الانتماء الطّبقي وحيثيات لعبة التّصنيفات المجتمعية مثلا قول ”اْحْبيبي” بدل ”خالي” المحافِظة، بمعنى نفس الفئات التي استعملت ”بابا” حوَّلت الأخوال إلى ”أحباب” ثم ”لَلاّ” أو ”اْمّي لَلاّ ” أو ”المّيمة” عوض كلمة جدّتي التّليدة، كذلك ”اْبَّا سيدي” مقابل جدّي، إلخ.

هذه العبارة أو تلك بمثابة مؤشّر عفويّ ظاهريا، غير أنّها تضمر باطنيا مجموعة حيثيات دالّة بخصوص محدّدات صراعات السّياقات المجتمعية.

أيضا، أستحضر في خضمّ هذا الحديث، موقفا محرجا اختبر بعض شباب الحيّ صعوبة تفاصيله يتعلّق الأمر تحديدا بأن يكون أحدهم خارج المنزل مع أقرانه ثم تظهر أخته فجأة كي تنادي عليه بضرورة العودة حالا إلى البيت لأنّ ”ماما” تلحّ على ذلك. يتمنّى حينها الشخص المعنيّ تصدّع الأرض وابتلاعه، لاسيما إذا كانت حساسيته مفرطة بهذا الخصوص ويكابد قصد التمتّع بالحظوة المطلوبة داخل المجتمع الذّكوري. لقد أجهز نداء ”ماما” على مبتغاه فأظهره أمام زملائه أليفا، رطبا، أنثويا، يفتقد لغلظة وفظاظة أنصار كلمة ”أبي”.

مجرد تعبيرات لغوية شكلية، أولا وأخيرا، تفتقد للمعيار الحاسم والجوهري بخصوص تحديد شخصية الفرد ومدى نزوعه أكثر نحو تجليات الأنيما أو الأنيموس، غير أنّها كانت حاسمة بشكل أساسي داخل دروب المدينة القديمة.

اترك رد