اللوحة: الفنان البولندي ستيفان كريجير
كنت أعتقد أنه أقرب صديق لي، ولعله كان كذلك فعلًا. قابلته مصادفة بعد سنوات، صافحته بحرارة، وألححت عليه أن يزورني، فقال مبتسمًا: “بعد أن تتوب”. تسمرت في مكاني لحظة، ثم قلت: “وهل هذا شرط؟” فراجع نفسه سريعًا وقال: “لا”. ثم انصرف بسيارته ومضى. وظلت العبارة عالقة في ذهني.
ومرت الأعوام، ثم التقيته مصادفة مرة أخرى. ألححت عليه من جديد أن يزورني، فأخبرني أنه جاء للاجتماع بأصدقاء قدامى من أيام الدراسة. قلت له: “سألحق بكم بعد دقائق”، فقال: “لن أنتظر أكثر من ربع ساعة”. ثم انصرف. قلت له: “مع السلامة”. ولم أعد بعد ذلك أهتم كثيرًا. لكن الذي بقي في نفسي لم يكن موقف الرجل، بل الفكرة التي يمثلها.
لقد تسللت إلى حياتنا عقلية غريبة حتى أصبحت جزءًا من تكويننا النفسي دون أن نشعر: عقلية البحث عن نسخة أخرى من أنفسنا. فعند كثير من الناس لا تكفي المودة، ولا تكفي الذكريات المشتركة، ولا يكفي حسن الخلق، بل لا بد من تطابق الأفكار أيضًا. فصديقي كان يقرأ بعض ما أكتب، ويغضب منه أحيانًا، ويظن أنني أفتح أبوابًا للخطأ أو أُجَرِّئُ الناس على ما لا ينبغي. ولم يخطر بباله أن يقرأ أولًا ثم يعترض بعد ذلك. كان التوبيخ أسهل من الفهم، وكانت المقاطعة أيسر من الحوار.
وأذكر صديقًا آخر يملك علمًا دينيًا غزيرًا، وكنت أظنه ممن ينطبق عليهم قولنا القديم: “أحبك في الله”.. فكثيرًا ما تبادلناها بإخلاص ساذج. لكنني اكتشفت متأخرًا أن كثيرًا من الناس يضيفون إلى الجملة تتمة غير مكتوبة: “أحبك في الله.. بشرط أن تفكر مثلي”. زرته يومًا، فلم يتحمل وجودي إلا دقائق معدودة، ثم توعدني بالكفر والضلال وسوء العاقبة. خرجت من عنده وأنا أتساءل: ما نفع آلاف الكتب التي ملأت جدران بيته إذا كانت لم تمنحه القدرة على احتمال دقائق قليلة من الحوار؟ وكان الجواب البديهي أن فَخَّ العلماء هو أنهم يتكلمون من أعلى، وتعودوا منا أن نتكلم ونفتح أفواهنا تعجبًا أو نسكب دموعنا تأثرًا، ولا يخطر أن تمر كلماتهم على النقد والتساؤل.
ثم أدركت شيئًا غاب عني طويلًا: المشكلة ليست في التدين وحده، ولا في السياسة، ولا في الثقافة. المشكلة أوسع من ذلك بكثير. فالمتدين يريد متدينًا يشبهه، والليبرالي يريد ليبراليًا يشبهه، واليساري يريد يساريًا يشبهه، والقومي يريد قوميًا يشبهه، وحتى مشجع الكرة يخاصم من يشجع الفريق الخطأ. تختلف الرايات، لكن المرض واحد: الخوف من الاختلاف، والبحث الدائم عن نسخة أخرى من الذات.
وكثير من أصحاب اليقين، أيًّا كان مصدر هذا اليقين، يتعثرون في الحوار. فالواعظ الذي اعتاد المنبر، والأستاذ الذي اعتاد المحاضرة، والسياسي الذي اعتاد الخطابة، ورب الأسرة الذي اعتاد الطاعة، جميعهم يتشابهون في شيء واحد: أنهم تعودوا الكلام أكثر مما تعودوا الإصغاء. ولهذا يتحول الاختلاف عندهم من فرصة للفهم إلى تهديد يجب إسكات صوته.
لكن التطابق ليس السكين الوحيدة التي تذبح الصداقة. فهناك عدو أكثر هدوءًا وأشد فتكًا: الحياة نفسها. أصدقاء يروحون ويجيئون، ولا تلتقي بهم إلا مصادفة. وحين تراهم تشعر أن الود ما زال موجودًا، وأن سنوات الطفولة والشباب لم تمت. لكن الجميع مثقل. الجميع يحمل فوق ظهره حياة كاملة. كنا نظن أن الأسرة مشروع له نهاية، وأن الأولاد يكبرون فنستريح. لكن الواجبات لا تنتهي، بل تتبدل وجوهها فقط. ينتهي هَمُّ الأولاد ليبدأ هَمُّ الأزواج والزوجات. وينتهي هَمُّ الأبناء ليبدأ هَمُّ الأحفاد. وتغلق الحياة بابًا لتفتح بابين. فنلتقي مصادفة، ونتعانق بحرارة، ثم ينصرف كل واحد منا مسرعًا إلى أعبائه. ثم لا ننتبه إلا وصوت المؤذن يعلن رحيل أحدنا.
ولن أعمم. فهناك أناس نادرون ينجحون في الإفلات من هذه الفخاخ. يحافظون على الصداقة رغم الاختلاف، ويحافظون على الوصال رغم الانشغال. لكنهم قلة. أما أغلبنا فيعيش فوق قضبان رسمها المجتمع سَلَفًا: نفس المسار، نفس الأحلام، نفس المخاوف، نفس الواجبات، ثم نفس الحسرة في النهاية.
نزهد في الجواهر التي بين أيدينا، ونطارد جواهر متخيلة في البعيد. نبحث عن التطابق، مع أن متعة الصداقة في الاختلاف. فالاختلاف يفتح أبواب الحديث، ويكشف زوايا لم نرها، ويمنح الفكر حياة جديدة. أما التطابق الكامل فلا ينتج إلا صدى مكررًا يردد الكلام نفسه حتى يورث الملل.
ولعل من أكبر الأوهام التي نخسر بسببها الناسَ مفهوم التقاعد كما نفهمه نحن. فكأن الحياة عندنا مراحل منفصلة: نتفرغ للدراسة، ثم نتفرغ للعمل، ثم نتفرغ للأولاد، ثم نتفرغ للأحفاد، ثم نتفرغ للعبادة. وكأن الإنسان لا يحق له أن يعيش إلا دورًا واحدًا في كل مرحلة. ولا يخطر ببالنا أن جلسة صادقة مع صديق قد تكون عبادة، وأن مواساة جار قد تكون عبادة، وأن إصلاح ذات البين قد يكون عبادة، وأن حفظ الود القديم قد يكون عبادة. بل ربما أثمر من الخير ما لا تثمره عبادات كثيرة يؤديها الإنسان بقلب غافل.
وكلما تقدمت في العمر ازددت يقينًا أن الصداقة لا تعيش بالتطابق، بل بالاتساع: اتساع القلب لاحتمال الاختلاف، واتساع الوقت لمقاومة الانشغال، واتساع الروح لتتذكر أن الإنسان خُلق ليعيش حياة متعددة الألوان، لا لونًا واحدًا يبتلع بقية الألوان. فبعض الخسائر لا تأتي من الأعداء، بل من الأفكار التي نظنها فضائل، ومن الواجبات التي نبالغ في تقديسها، ومن الأوقات التي نظن أن الوصال يمكن تأجيله إليها. والحقيقة أن الوصال المؤجل كثيرًا ما يصبح وصالًا مستحيلًا. فالصديق الذي لا نزوره اليوم قد لا نجده غدًا. والكلمة التي نؤجلها قد تضيع. والعمر الذي نظنه طويلًا أقصر مما نتخيل. ولهذا لا أظن أن الحكمة هي أن نبحث عن أصدقاء يشبهوننا، بل عن أصدقاء يتسع قلبهم للاختلاف. ولا أن نؤجل المودة إلى حين الفراغ. فالفراغ لا يأتي. أما الذين نحبهم، فقد يرحلون قبل أن يأتي.
