قصص قصيرة جدا 

قصص قصيرة جدا 

اللوحة: الفنانة الأميركية كريستين كامبريا

محمد محضار

رجل صالح  

عندما استقر الرجل الصالح بالقرية، صارت نساء القرية يذهبن إليه يباركهن ويهبهن الصلاح. بعد بضع سنين أصبحت “قرية الصالحين”.

مرضى القلوب  

في قلوبهم مرض، أحرقوا الزرع، وجففوا الضرع، وعطلوا العقل. ذات صباح حلقّت طيور جارحة دكّت قلاعهم تحت الأرض.

تلاسن  

كانا يتلاسنان، تقول ويقول، يخبرها أنها لا تفهم شيئًا، ترد عليه بأنه مجرد نرجسي مغرور. عندما تأتي ساعة الودّ تقبّل يده، يقبل جبينها ويقول: “نحن خلقنا لنتحابّ”. تقول: “ما دام الماء يجد له طريقًا تحت الجسر، لا خوف على حبّنا”.

نقطة تحول  

كلما حل العيد الكبير، تذكر أمه. كانت لا تستريح إلا بعد أن تقوم بكل شيء: تنظف المكان، تغسل السقط، تشوي الكبد الملفوف بالشحم (بولفاف)، تعد صينية الشاي، ترحب بالجميع، وتقول كلامًا يقطر عسلاً.  

ذات عيد توقف هاتفها عن الرد، وناب عنها المجيب الآلي يخبر بتعذر الاتصال. في المساء رنّ هاتف يخبرها بسفرها المفاجئ دون مقدمات. فتحول العيد صغيرًا لديه، وكذلك بقي.

رجل فوق العادة  

اقتحم المصحّة وفي أثره عاصفة من الكبرياء، يتبعه حارسه الشخصي. طلب مدير المصحة بالاسم، جاء المدير، قدم له نفسه، أبدى رغبته في إجراء فحص بالرنين المغناطيسي، ومدّ له رسالة الإحالة الموجهة من طبيبه المعالج. كان يتكلم من تحت أنفه، قال أن مسؤولياته لا تسمح له بالانتظار. تكسّرت قاعدة الدور، تمدد على طاولة الفحص الباردة، حقنته التقنية بمحلول التباين، أحس بحرارة تسري في جسمه. همس له طبيب الأشعة: “الحقنة ضرورية لتتضح المقاطع”. ارتعدت فرائصه، نسي المسؤوليات والسلط، أحس أنه إنسان، مجرد إنسان ينتظر وجلاً على عتبة الغيب: رحمة الخالق وتقرير الطبيب.

صحوة مفاجئة  

في ليلة شتوية باردة كنت أمشي في شارع من شوارع خريبكة، الشارع تحفه أشجار الكاليتوس، المصابيح باهتة يمتزج ضوؤها بالضباب الكثيف الذي يكتنف سماء المدينة. كنت أشعر ببهجة غريبة وصحوة تشد عن المألوف. كنت أردد بفرح طفل:  

دعوني أحدثكم عن تلك المرأة  

التي ارتمت بين ذراعي  

ذات مساء عند الغروب  

كعصفور مقرور  

مرتعشة  

باكية 

دمعها وعرقها بطعم  

نقطةٍ وفواصل  

وفكرةٍ ونوازل  

سيدة قادمة من زمن المطلق  

تخترق الرباب والسحاب  

وترسم بألوان قوس قزح  

قبلات في الهواء  

وفراشات محلقة  

وسنابل شقراء  

سيدة تتحدث لغة الحب  

وتحكي عن بقايا أشواق  

من زمن الممانعة  

توقفت فجأة وقلت لنفسي: “هل خريبكة كانت يومًا ما مدينة رومانسية؟!” 

ظل السؤال معلقًا، وتابعت أنا المسير. كنت سعيدًا، ربما كان السر يكمن في عودة الحيوية المفتقدة إلى جسدي. الشارع يبدو خاليًا، وأنا مندفع بحماس في الاستمتاع بسحر المكان والزمن. الزمن يأخذ يمارس حربائيته بشكل عبثي: تارة ساكن آني، وتارة أخرى متعاقب منفلت. كنت أحاول أن أتلافى التركيز في التفاصيل، كان المنظر في شموليته يدعم ذلك الشعور الذي يغمرني.  

فجأة رأيت ضوء كاشف يغمر وجهي، كان ضوء سيارة تسير في الاتجاه المعاكس، نسي صاحبها ضوء الطريق القوي. وقعت أنظاري على لوحة كتب عليها: “خريبكة خمسة كيلومترات”.

اترك رد