اللوحة: الفنان الأميركي جون فرينش سلون
محمد أبو العزايم

مطرٌ،
وماسِحةُ الزجاجِ،
وما تساقطَ من مواسمَ
فوقَ ذاكرةِ الرَّصيفِ
وصوتُ فيروزَ المسافرُ في الفصولِ
وقلتِ لي: مَن علَّمَ المطرَ النداءْ؟!
مطرٌ ينوبُ -هُنيهةً –
عن صوتكَ النائي البعيد مُناديًا،
وأنا أُراوِحُ بين يأسي والرّجاء
مطرٌ أبوحُ لهُ بأنيَ لم أزلْ
ألقاكَ في الوقتِ الذي ألقاكَ فيهِ
في الغيابِ، وفي الحضورِ
وفي الثيابِ وفي العطورِ
وفي كتابي، في السطورِ
وخلْفَ ما خلْف السطورِ
وفي المصاعدِ، والمرايا والدروبِ
وفي وجوه العابرين،
وفي خُطايَ الهارباتِ إليك منكَ،
وفي الظهورِ.. وفي الخفاء.
مطرٌ يشيرُ إلى الربيعِ أن انتظِر؛
فلَديَّ ما لم يُوحَ للسيَّابِ
عن مطرٍ تأخرَّ للضرورة -رُبّما-
أو ربما ليقولَ لي: ستعيدُ دورتَها الفصولُ
فأستعيدَ الضمةَ الأولي التي كانت وكنا
يومَها نلتذُّ بالمطرِ الأخير من الشتاءْ
مطرٌ يشدُّ على يدِي؛
لأُمُدَّ طاولةَ انتظاري في المساءِ
لعلَّ يجمعُنا الصباحٌ
-إذا تصافَحَ والندى-
وأمدَّ طاولةَ انتظاري في الصباحِ؛
لعلَّ يُرجعنا المساءّ
مطرٌ يحرِّضُني على فوضايَ
حين أعلِّقُ الأشياءَ
– فيما أنتَ للأبوابِ تنظرُ ضاحكًا-
وعلى المقابضِ طرحَتي،
وحقيبتي، وغدي وأمسي،
معطفٌ أهديتنيهِ ذاتَ ليلٍ مُمطِرٍ،
وكثيرُ ما لم ينطفئ بلقائنا من لهفتي،
وبريقُ حُلمٍ كان يكبرُني وأكبُرُهُ
لأني كنتُ طفلتَكَ التي كلُّ النساءْ.
مطرٌ يُفسِّرُ لي سكوتَكَ عن كلامٍ مالحٍ،
وأنا أُصيحُُ لهُ، وليتك كنتَهُ..
في القلب جَمهَرةٌ من الدقَّاتِ
تستبقُ التشكُّلَ صرخةً
حتى أصيحَ بهِ -وليتكَ كُنتَهُ-
كُنهُ.. وقل لي ما تشاءْ.
مطرٌ.. وينهمرُ البكاءْ
مطرٌ.. مطرْ
مطرٌ.. مطرْ
مطرٌ.. مطرْ
مطرٌ، وصمتي،
ليس إلَّا من قُطيراتِ الكلامِ تساقطَتْ:
“خلِّي
انتباهَكِ
للطريقِ،
مع
السلامةِ”.
( لم يكُن في وُسعِ أحرفيَ القليلةِ
أن تصوغَ “إلى اللقاء” )
مطرٌ يموتُ على زجاج نوافذي
وأنا تُذكِّرني الستائرُ كلَّ شيءٍ، والدفاترُ،
ليس مِن حبرٍ لديَّ، ولا رثاءْ
مطرٌ، وثلجٌ..
ثُمَّ أقلعَت السماءْ.