اللوحة: الفنان السوري عصام الشاطر
كانت ساحة مسجد السيد البدوي في طنطا تموج ببحر من البشر. الأنوار الخضراء والمذياع الذي يصدح بالابتهالات، وروائح البخور التي تختلط بعرق المريدين ونفحات الفتة واللحم. في وسط هذا الصخب الصوفي العارم، كان يقف “الشيخ مبروك”.
لم يكن مبروك كغيره من الدراويش الذين يرتدون الخرقة الخضراء أو يطرقون الطبول. كان يرتدي جلباباً رمادياً بسيطاً، ويقف في زاوية منسية من الساحة، شاخصاً ببصره نحو السماء، ومردداً كلمة واحدة بنبرة هادئة ورتيبة، نبرة تخترق الضجيج كإبرة تنسج في صمت:
”الحق… الحق… الحق…”
لم يكن يلتفت يميناً أو يساراً، بل كان يدور حول نفسه ببطء شديد، ككوكب يدور في فلك مهجور.
في الليلة الختامية للمولد، توقف شاب يُدعى “حسن” أمام مبروك. كان حسن قد جاء للمولد هرباً من ضغوط حياته وديونه، باحثاً عن أي شيء ينسيه همه. نظر إلى عيني الشيخ مبروك الغائبتين عن الدنيا، وشعر فجأة بقشعريرة تسري في جسده.
وقف حسن يراقب الشيخ لدقائق، ثم وبدون إرادة منه، بدأت قدمه تتحرك بذات الإيقاع. انفرجت شفتاه وهمس:
“الحق… الحق…”
بحلول منتصف الليل، لم يعد حسن وحده. انضم إليهما بائع حمص ترك عربته، ورجل شرطة كان يؤمن الميدان فغلبه الوجد، وامرأة عجوز نسيت آلام ركبتيها وبدأت تدور. كانت الدروشة تنتقل بينهم كـ “فروش” أو فيروس غامض، لا يحتاج إلى رذاذ، بل إلى “نظرة ولمحة”.
بحلول الفجر، تحولت الزاوية المنسية إلى حلقة ضخمة تضم المئات. كل من اقترب من حلقة الشيخ مبروك كان يُصاب بـ “عدوى الانفصال عن الواقع”. سُمي الأمر بين زوار المولد بـ “فيروس الدروشة”.
أصبح للشيخ مبروك “مريدون” لم يطلبهم ولم يتحدث إليهم قط. كانوا يتبعون حركاته وسكناته كأنه مايسترو يقود أوركسترا من الأرواح الهائمة. حاول بعض عقلاء المولد إقناع الناس بالابتعاد، قائلين إن هذا ليس من الدين في شيء، وإن الشيخ مبروك قد يكون مسحوراً أو مجنوناً، لكن عدوى السلام كانت أقوى من أي منطق. كل من اقترب ليجادل، انتهى به الأمر ممسكاً بطرف جلباب المريد الذي قبله، غارقاً في الدوران.
مع شروق شمس اليوم التالي، بدأ المولد ينفض. أُطفئت الأنوار الخضراء، وبدأ الباعة بجمع خيامهم، ورحلت الحشود عائدة إلى حيواتهم الروتينية.
التفت المريدون صغاراً وكباراً ليروا شيخهم وملهمهم، لكن الشيخ مبروك لم يكن هناك. لقد اختفى في زحام المغادرين ببساطة كما ظهر، دون أن يترك اسماً أو عنواناً أو كتاباً.
نظر حسن إلى بقية المريدين؛ كانت ملابسهم مغبرة، وعيونهم مرهقة، لكن وجوههم كانت تفيض بابتسامة غريبة وخفيفة. لقد انتهى المولد، لكن “الفيروس” لم يرحل مع الخيام؛ بل استقر في قلوبهم، ليعودوا إلى بلادهم يحملون في أعماقهم زاوية صغيرة من ساحة السيد البدوي، تدور في صمت كلما ضاقت بهم الدنيا.
