سرداب الأحلام

سرداب الأحلام

اللوحة: الفنان التشيكي ياروسلاف بانوسكا

  • مدخل:

إلى العالقين في هذه المتاهة.. اعلموا أن “السرداب” ليس قتامة جدران، بل هو دهليز الذاكرة الخفي في أعمق غيابات النفس، وأن تلك “الأحلام” ليست سوى بقايا رغباتنا المهجورة؛ ننقذها من الفناء، لنحميها من النسيان.

  • القصة:

عند تلك الزاوية الضيقة من السواد، حيث تنبتُ ماهية المتروكات وعناصرها المنسية فوق الرفوف كطحالب حية، كان عاصم يمارس مهنته الفريدة كمرممٍ لبقايا الرؤى المنسية. لم تكن تلك الرؤى سوى شظايا من أجساد ذابلة، رمادية، شحيحة الضوء، وخالية من أي تفاصيل تجميلية؛ كانت تصل إليه ككتلٍ من الفراغ المطلق، تنتظر تشكيلاً ملموساً يمنحها حق البقاء لدقائق إضافية في وعي أصحابها.

أمسك بالرؤيا الأخيرة؛ مشهد باهت لرجل يقف أمام باب موصد. لم يكن عاصم مهتماً بالعواطف المشحونة أو الروابط الإنسانية الكامنة وراء المشهد، بل ركّز على لغة الفضاء المحيط بالباب وتفاصيله. بدأ بتفكيك كثافة السواد في الزوايا، مقللاً من خطوط الانكسار والالتواء في مفاصل الباب الصدئة، رغبةً منه في الوصول إلى حقيقة مرئية صرفة، بعيداً عن الاستعارات المستهلكة. وعند هذا الجزء، كانت نسبة الغياب في النص البصري للرؤيا تتزايد، وكان عليه أن يملأها بأسرار الصمت وجوهره.

أثناء إزالته لتراكمات الغبش وحجب الرؤية، توقف فجأة وحدّق مذهولاً في الفراغ، ثم همس لنفسه متسائلاً: “ما الذي أفعله هنا حقاً؟ هل أنا رمّام لهذه الأطياف المنسية أم أنني سجينها الأبدي في هذا القبو؟ وما سر هذا الامتداد الغريب والبارد الذي يتحرك خلف الزاوية المتروكة دون جسد يحمله؟” ثم تنهد وأجاب ذاته بصوت واهن: “إنها ليست مجرد أضغاث عابرة، بل هي حكايات تبحث عن مأوى. وهذا الامتداد ليس خللاً في الرؤيا، بل هو الحقيقة الوحيدة المتبقية التي تحاول الهروب إليّ لتنزع عني غفلتي”.

كان ذلك الامتداد يمتلك كياناً محسوساً بارداً، يشبه في ملمسه رخام المقابر في ليلة شتوية؛ خللٌ سيعيد بناء إدراك حواسه ومشاعره من جديد. توقفت أدوات الترميم عند حدوده، فلم يعد الأمر مجرد عطل تقني، بل تحول إلى تجلٍّ كوني مباغت يمتص يقين الغرفة. عاصم، الذي اعتاد الوقوف خلف حاجز المشاهد، وجد المسافة الفاصلة تتلاشى؛ لم يعد الامتداد هامشاً في حلم غريب، بل صار القلب النابض الذي يعيد تعريف أسرار المكان وروحه.

بلغ الحدث ذروته حين تحولت المرآة المعلقة على جدار الرؤيا إلى غياهب عميقة، لم تعكس وجه صاحب الحلم، بل سحبت عاصم إلى داخل لُجّة الفقد الحسي. هناك، سقطت كل الأدوات، وتلاشت اللغة المستهلكة، ولم يتبقَّ سوى هيبة الحضور الشاخص. وضع يده على المقبض الصدئ، فشعر ببرودة المعدن تخترق مسامه، محولةً جسده إلى امتداد مجسد للباب، فلم يعد هناك “ذات” و”موضوع”، بل حكاية متواصلة من المادة والفناء.

في تلك اللحظة الفارقة، بلغت الكثافة ذروتها؛ تلاشت جدران السرداب، ولم تعد الرؤيا مجرد طيف باهت من الوعي، بل استحالت إلى بنيان موازٍ للواقع. استيقظ عاصم في صباح اليوم التالي، ليفاجأ بأن العالم من حوله قد فقد رتوشه الملونة؛ إذ باتت الأشياء في غرفته تمتلك ثقلاً واقعياً قاهراً لم يألفه من قبل، وبقايا المادة الرمادية التي لمسها في الرؤيا استقرت تحت أظافره؛ كدليل قاطع على أن “الخيال” قد تصفّى تماماً، ليحل محله “الوجود” في أنقى وأقسى صوره الملموسة.

اترك رد