اللوحة: الفنان البريطاني مارسيل غاربي
في دهاليز العيادات النفسية، وفي زوايا المؤسسات التربوية، تتردد أصداء صرخة صامتة يتقاسمها آلاف من الأبناء: “لِمَ لَمْ ينصت إليّ أحد؟”
هذه الجملة ليست مجرد شكوى عابرة، بل هي التوصيف الدقيق لجريمة تربوية مكتملة الأركان نقترفها يوميا عندما نكمم أفواه صغارنا، ونحيل بيوتنا ومدارسنا إلى ساحات لتفريغ إحباطاتنا، وإثقال نفوسهم الغضة بأعباء ناءت بها أكتافنا، من غضب وخيبات وإحباطات زرعتْها الحياة فينا.
إن عدم الإصغاء للطفل ليس إهمالا فحسب، بل هو اعتداء مباشر على كينونته وسلامته النفسية، وإعلان مبطن بأن وجوده في حياتنا غير ذي قيمة.
لماذا يهرب الكبار من الإنصات لأطفالهم؟
قبل أن نلوم الطفل على عناده أو انطوائه، أو نسعى لكبت صراخه وشكواه، وتعنيفه بكل أنواع العنف على تمرده، علينا أن نقف على بعض الأسباب النفسية التي ربما تجعل البالغين (آباء، أمهات، معلمين، إخوة) يمارسون هذه السلطة العمياء:
o إسقاط الخيبات: كثيراً ما يعود الأب من عمله مثقلا بضغوط نفسية أو اقتصادية، أو مهنية من رئيسه أو زملائه في العمل، وبدلا من مواجهة مصدر قلقه، يجد في طفله الضعيف شماعة متاحة لتفريغ الشحنات الانفعالية، فلا يتورع عن عقابه أو إهماله أو إهانته.
o توريث الصدمات: نحن نمارس التربية غالباً باللاوعي، ونعيد إنتاج العنف اللفظي والإقصاء الذي تعرضنا له في طفولتنا، فالشخص الذي نشأ في بيئة ترفع شعار “العيب” و”أنصت دون نقاش”، يرى في صوت طفله تهديدا للمنظومة التراتبية التربوية التي نشأ عليها.
o وهم المعرفة المطلقة: يعتقد البالغون، لمجرد تقدمهم في العمر، أنهم يملكون الحقيقة الكاملة، وأن الصغير كائن قاصر لا يحمل فكرة تستحق عناء الانتباه، مع أن أجمل الأفكار وأكثرها إبداعا يملكها الصغار” لأنهم مازالوا يملكون دهشة الأسئلة.
لهذه الأسباب، يتوارى معظمنا خلف سلطته، ويمارس هذا القمع الخفي المعلن، بحجة أننا نربي ونعلم وننشئ جيلا مطيعا.
كيف نعتدي بسلطتنا العمياء على أطفالنا؟
تتجلى هذه الجريمة التربوية في تصرفات يومية تبدو عادية في نظرنا، لكنها مدمرة في وجدان الصغير، ولا أدل على ذلك من بعض مواقف حقيقية، ومشاهد من واقع الحياة:
- مقصلة طاولة الطعام:
يجلس الطفل “أحمد” (7 سنوات) بحماس ليخبر والده عن لوحة رسمها اليوم في المدرسة، يبدأ بالقول: “بابا، اليوم المعلم قال لي…”، فيقاطعه الأب بحدة وهو ينظر إلى شاشة هاتفه: “كل طعامك أولا، كف عن الثرثرة، ولا تتحدث وفمك ممتلئ بالطعام.”
الأب هنا لم يعلم طفله آداب الطعام، بل أرسل له رسالة نفسية مشفرة تقول: “رغبتك في مشاركة إنجازك تافهة، وهاتفي أهم منك”، ينكفئ أحمد على نفسه، ويزرع خيبة في قلبه.
- قمع المشاعر في غرف المعيشة:
الطفلة “سارة” (5 سنوات) تبكي بحرقة لأن دميتها انكسرت.. تصرخ الأم في وجهها: “أزعجتينا! تبكين من أجل قطعة بلاستيك تافهة؟ اذهبي إلى غرفتك ولا أريد سماع صوتك حتى تكفي عن البكاء”.
هذا التصرف هو قمع وحرمان من الحق في الحزن، والحق في التعبير عنه.. تدمير لعبة سارة توازي عندها خسارة الأم لشيء ثمين، عندما نكمم صوت بكائها، نحن نعلمها كيف تدفن مشاعرها وتكتم غضبها، ليتحول مستقبلا إلى اضطرابات قلق، أو اكتئاب حاد.
- محاكمة الفصل الدراسي:
في المدرسة، يرفع “خالد” يده ليقول للمعلم: “يا أستاذ، أنا لم أفهم هذه النقطة بالطريقة التي شرحتها”، يجيبه المعلم أمام زملائه بسخرية: “أنت لا تفهم لأنك غبي، دائما أراك مشتت الذهن، اجلس ولا تقاطع الشرح.. دع غيرك يفهم.
هذا المعلم لم يكبت فضول خالد العلمي فحسب، بل اغتال شجاعته الأدبية، إنه نموذج حي للسلطة العمياء التي تستغل الضعف لتداري عجزها عن احتواء الفروق الفردية أو مواجهة إحساسها بالفشل وعدم قدرتها على التفكير الموضوعي البعيد عن النمطية.
ماذا يحدث عندما نكسر هؤلاء الصغار؟
حين نُحمّل الصغار خيباتنا، ونرفض الإصغاء إليهم، فإننا لا نربي أطفالا مطيعين أسوياء كما نتوهم، بل نصنع كائنات مشوهة نفسيا تعاني من مشاكل عدة:
o الاغتراب الذاتي وفقدان الثقة: فينشأ الطفل وهو يؤمن بأن أفكاره ومشاعره بلا قيمة، مما يجعله فريسة سهلة للتبعية في المستقبل، وعاجزا عن اتخاذ القرارات أو قول “لا” للمستغلين.
o الخرس الاختياري أو العنف البديل: الطفل الذي لا يُسمع صوته ونتركه يعبر عن مكنوناته بالكلمات، سيوصل رسالته بطرق أخرى؛ إما بالانطواء التام، التبول اللاإرادي، أو بالتحول إلى طفل عدواني يمارس التنمر على أقرانه الأضعف منه، كإعادة إنتاج للسلطة التي تُمارس عليه.
o تخزين “الغضب الدفين: المشاعر المحتقنة لا تموت، بل تُدفن حية. وتظهر في مرحلة المراهقة والشباب على شكل تمرد أعمى، أو جفاء عاطفي حاد تجاه الوالدين.
توقف قليلا.. فكر قبل أن تكسرني!
ألا يتمنى الواحد منا لو يعود الزمن للوراء ليقف في الممر القديم لمدرسته، أو عند باب بيته العتيق، ليستوقف ذلك المعلم الغاضب، أو الأب المرهق، أو الأخ الأكبر المستبد، ويصرخ في وجهه: توقف! فكر جيدا قبل أن تعتدي بسلطتك العمياء عليّ وتكسرني! أنا لست سببا في مشاكلك، أنا لست امتدادا لإحباطاتك، أنا إنسان يحتاج حبك وإصغاءك لتستقيم خطاه!
إن هذه الأمنية المستحيلة يجب أن تكون هي المحرك الأساسي لتغيير سلوكنا مع الجيل الجديد، إننا بحاجة إلى ثورة وعي تربوية تتلخص في خطوات عملية:
1. الإنصات الوجداني: عندما يتحدث طفلك، انزل لمستوى جسده، انظر في عينيه، اترك هاتفك، واستمع، ليس فقط لكلماته، بل لنبرة صوته ومشاعره.
2. فصل المشاعر: تعلّم ألا تحمل طفلك ثمن فاتورة إحباطك من المجتمع الخارجي، إذا عدت غاضبا، قل له بوضوح: أنا متعب الآن يا بني، أحتاج لنصف ساعة ثم سأستمع إليك بكل حب.
3. احترام ضعفهم: تذكر دائما أن سلطتك عليهم هي أمانة لرعايتهم وفهمهم، وليست صكا لامتلاكهم وقمعهم.
إن تكميم أفواه الأطفال هو زراعة للألغام في مستقبلهم، واستماعك لهم لمدة خمس دقائق باهتمام، يعادل سنوات من البناء النفسي السليم، فلنستمع إليهم اليوم، لكيلا نضطر لمعالجتهم في الغد من شروخ يصعب رتقها.
