هناك صفحة ما تنتظرني

هناك صفحة ما تنتظرني

اللوحة: الفنان السوري بشير بشير

هناك صفحة ما تنتظرني، محشوة بكلمات لم تكتمل بعد، وتخشى أن تظل عالقة بين النثر والشعر، بين الحقيقة والخيال. الصفحة، في جوهرها، لا تفتقر إلى شيء، لكنني أنا، الكاتب الضائع في زحمة الأفكار، أظل أبحث عن معنى يليق بها. أجدني أكتب، ثم أمسح، ثم أكتب مجددًا، وكأن الكلمات تنقض عليّ في كل مرة وتهمس في أذني: “هل من شيء آخر يمكن قوله؟” ولكنني لا أجد غير الصمت يجيبني.

ثم، وسط هذا الاضطراب الفكري، يطل الجانب الرومانسي مني فجأة. فكرٌ هاربٌ من الواقع يتسلل إلى عقلي، ليقول لي إن الصفحة ليست مجرد ورقة، بل هي وعد لم يُنفَّذ بعد. وعد بيني وبين نفسي، أنني سأكتب يومًا ما عن الحلم الذي لم يتحقق، وعن الحُب الذي ضاع بين الزمان والمكان. هل يمكن للصفحة أن تكون أكثر من مجرد حامل للكلمات؟ أم أن الكلمة، في النهاية، هي من تملك السيطرة على الورقة؟

الصفحة، في لحظةٍ ما، تتحول إلى مرآة لي. أرى فيها صورتي المشوشة، أفكاري المتناثرة، والقصص التي لم تكتمل. هذا هو نوعٌ من الفلسفة التي لا تقود إلى إجابة نهائية، ولكنها تفتح مجالًا للخيال. هل ما أكتبه هنا هو حقيقة؟ أم هو مجرد هراء هزلي على ورقة بيضاء؟ وأين هو الخط الفاصل بين ما هو جاد وما هو هزلي؟ ربما ليس هناك خط، وربما يكون كل شيء مجرد لعبة فلسفية لا معنى لها.

ثم أبتسم في مرارة. أحيانًا، نحن البشر، نبحث عن معاني عميقة فيما لا معنى له. نسعى لأن نجد حبًا، بينما قد نكون فقط نلاحق ظلًا في صفحةٍ بيضاء، نؤمن أن ثمة سرًا فيها، بينما هي لا تقدم لنا سوى صمتها الذي يعلو مع مرور الزمن.

لكنني أعود إلى الصفحة، لأكتب مجددًا. أقول لنفسي: “هناك صفحة ما تنتظرني.” ربما في يومٍ ما، سأملأها بكل ما يختلج في داخلي. وربما، في يومٍ آخر، سأكتشف أن هذه الصفحة هي فقط مرايا لأفكاري، لا أكثر ولا أقل.

اترك رد