بائعُ ساعاتٍ للموتى

بائعُ ساعاتٍ للموتى

اللوحة: الفنان الكويتي محمود أشكناني

مهدي النفري

الى أخي مجيد في ذكرى غيابه

 أقامت أمي في البيت جدراناً إضافية من الصمت، منعتنا من طرْقِها لئلا نوقظ الإجابات النائمة في الاسمنت، في ذلك الوقت كنا أقصر من مقبض الباب وكان الموت ضيفاً ثقيلاً جرّ حذاءه فوق سجاد الطرقة الطويلة تاركاً وراءه رنيناً لا ينطفئ، علمتنا أن نترك أيدينا مفتوحة ومستسلمة كشرفات مهجورة لا تقبض على شيء لأن الذي مات أخذ معه حتى الهواء الذي كنا نغلق عليه أصابعنا، وحين وضعنا كفوفنا الباردة على الخشب المصقول لغيابه شعرنا بالجاذبية تتخلى عنا كأن الأرض سُحبت من تحت البيت كبساط قديم وتُرِكنا معلقين في الفراغ، كان أبي يحاول ترميم الشقوق في حكاياتنا فيجمع مخاوفنا كقطع الخزف المكسور محاولاً لصقها بالصبر، لكن الليل كان يعيد فتح الصدوع، كنا نشتكي من البرد لأننا شعرنا فجأة أننا نملك مسامات واسعة تسرب الحزن على شكل قطرات عرق باردة. كانت المواساة في غرف الاستقبال عملاً هندسياً فاشلاً، محاولة بائسة لترتيب المقاعد حول حفرة غير مرئية، نتحرك بحذر وندور حول حزننا كما يدور غريب في ساحة مدينة لا يعرف لغتها، فالأحضان لم تكن تلتقي بل كانت تصطدم بالفراغ الذي يفصل بيننا، وعلى المائدة كانت كؤوس العزاء تثرثر ببرود كنخب صامت لغيابٍ لم يكتمل بعد، تساءلنا مرارًا وتكرارا إن كنا نحن من مات أم أننا نعيش في جيوب معاطف الآخرين لنستعير منها بعض الدفء؟ كنا أجساداً مفرغة كطوابق مهجورة تتردد في ردهاتها أصوات غريبة، والانسحاب لم يكن نجاة بل كان اعترافاً بأننا لم نكن متسعين بما يكفي لنبتلع الكارثة دون أن نحدث ضجيجاً، ولم يلحظ خرابنا الداخلي أحد سوى بائع الساعات العتيقة في الحي، الرجل الذي كان يعرف أن عقارب الوقت في بيتنا توقفت عند اللحظة التي تحولت فيها أعماقنا إلى محارات جافة، محارات لا تبث صوت الموج بل تكرر بصوتٍ خافت ومستمر اسم أخي الصاعد دائماً كأنفاس أخيرة.

رأي واحد على “بائعُ ساعاتٍ للموتى

اترك رد